طرق تهذيب النفس

عرض الدرس
طرق تهذيب النفس
18236 زائر
26-11-2012 11:43
الشيخ مصطفى العدوي

الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدره تقديرًا.

وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله الله بين يدي الساعة بالحق بشيرًا ونذيرًا، فأدَّى الأمانة حقَّ الأداء، وبلَّغ الرسالة حق البلاغ، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آل بيته وأصحابه الكرام، ومن دعا بدعوته واستنَّ بسنَّته واهتدى بهديه إلى يوم الدين.

وبعد: فدائمًا القلوب تطمئن بكتاب الله، ودائمًا الألسن تُرطَّب بذكر الله، ولقد قال الله تبارك وتعالى وهو أصدق القائلين: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} [الإسراء: 82].

فدومًا القرآن شفاء، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57]، فدائمًا كتاب الله شفاء، وكتاب الله نور، وكتاب الله فيه المخارج من كل فتنة والنجاة من كل كرب وشدة.

ولقد قال تعالى في كتابه الكريم في آيات أذكر بها نفسي وأذكر بها إخواني، إذ الله قال: {فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ} [ق: 45]، قال الله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112]، في آياتٍ سيقت في هذه السورة المباركة، سورة هود، التي وردت فيها آثارٌ وإن كان في أسانيدها مقال، أن النبي قال: «شيبتني هود وأخواتها».

وقال تعالى في أواخرها: {وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ} [هود: 120]، أي: في هذه السورة، {الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ}.

يقول تعالى ذكره: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ} [هود: 112]، أي: استقم يا رسول الله على ما أمرك الله به، لا تحيد عنه، لا تميل عنه ولا تزيغ، استقم كما أمرت.

وكما قال النبي لرجل سأله عن أمرٍ يسير يثبت عليه، قال: «قل: آمنت بالله. ثم استقم».

{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ} [هود: 112]، أي ومن تابوا معك من شركهم وسيئاتهم، فليستقيموا أيضًا كما أمروا.

{وَلاَ تَطْغَوْا}، ما المراد بالطغيان هنا؟

من العلماء مَن قال: المراد بالطغيان هنا ما قد يُتصوَّر من طغيانٍ في الاستقامة، قد يُحرِّمُ شخصٌ شيئًا أحله الله له كما فعل بعض الصحابة في زمن الرسول -عليه الصلاة والسلام- من تجاوز إذ قال أحدهم: أما أنا فأصوم الدهر فلا أفطر.

وقال الآخر: أما أنا فأقوم الليل فلا أنام.

وقال الثالث: أما أنا فلا آكل اللحم. وقال الرابع: أما أنا فلا أتزوج النساء.

فبلغ أمرهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فدعاهم قائلًا: «أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما إني والله أخشاكم لله، وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللحم وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني».

فمحتمل أن يكون الطغيان -وهذا داخل أصالة في الآية الكريمة- تجاوز للحد في العبادة.

وقد رآى النبي -صلى الله عليه وسلم- حبلًا معلقًا في المسجد فقال: «لمن هذا الحبل؟».

قالوا: لزينب بنت جحش، تقوم من الليل تصلي، إن فترت تعلَّقت به.

قال -عليه الصلاة والسلام: «حُلُّوه، ليصلِّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد».

وأيضًا داخل في معنى الآية {وَلاَ تَطْغَوْا}، أي: لا تطغوا في عبادة الله، لا تطغوا في التعدِّي على العباد، فلا تظلموا العباد، ولا تبخسوهم الحقوق، فالآية عامة. {وَلاَ تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}.

ثم قال تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ} [هود: 113]، قد فسَّر بعضُ العلماء الركون بأنه: الميل والسكون.

وفسر بعضهم الركون بالميل اليسير.

فعلى أيَّة حال: لا يجوز لك أن تركن إلى ظالم، وتظن أن النصر من عند هذا الظالم أو بمؤازرة الظالم، إنما النصر من عند الله.

فدائمًا وأبدًا ليكن اعتمادك على الله، وحسن توكلك على الله، لتكن معتمدًا على الله متوكلًا عليه، سائلًا إياه، فهو الذي يكشف الضر، وهو الذي يُجيب المضطر، خزائن كل شيءٍ بيديه، ومنتهى الأمور كلها إليه، فلا تركن إلى ظالم، فلن تجني من ورائه إلا النكد، ولن تجني من ورائه إلا الحصاد المر.

قال تعالى: {وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ} [هود: 113].

ثم تأتي آية في تهذيب النفوس وتطهيرها: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114]، نزلت الآية في رجل أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: يا رسول الله، إني أصبت من امرأة قُبلَة، فأعرض عنه النبي -صلى الله عليه وسلم- فانصرف الرجل، فنزلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الآية: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ} [هود: 114].

فدعاه النبي -صلى الله عليه وسلم- وأمره أن يتوضَّأ وأن يصلي ركعتين مقبلًا فيهما بقلبه على الله. ثم سأل الرجل النبي قائلاً: يا رسول الله، ألي خاصة، أم للمسلمين عامة؟

قال صلى الله عليه وسلم: «بل هي للمسلمين عامة».

وفي رواية: «هي لمن عمل بها من أمتي».

فكانت الآية الكريمة أصلًا في الكفارات، فإذا ألممتَ بذنبٍ فبادر بفعل حسنةٍ تمحو هذا الذنب، ولا تيأس من رحمة الله، ولا تقنط من روح الله، لا تيأس أبدًا ولا تقنط.

ولقد قال فريق من أهل العلم في تفسير قوله تعالى: َلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة} [البقرة: 195]، أن من الإلقاء باليد من التهلكة أن يُذنب الشخص الذنب فيقول: لن يُغفر لي، فيدع الاستغفار، يترك الاستغفار فيهلك بوقوعه فيما هو أشد من الذنب، وهو اليأس من رحمة الله والقنوط منها.

ولقد قال الخليل عليه السلام: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضَّالُّونَ} [الحجر: 56].

فكانت الآية أصلًا في الكفارات، فعلى قدر الذنب الذي ارتُكِب افعل حسناتٍ توازيه. {وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ * وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود 114، 115]، اصبر على ماذا؟

صبرٌ هنا بكل صنوفه، صبرٌ على أقدار الله المؤلمة التي يتألم منها الأشخاص.

ولقد قال الله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة 155-157].

وقال عليه صلوات الله وسلامه: «ما أعطي العبد عطاءً خيرًا ولا أوسع من الصبر، ومن يتصبر يصبره الله»، هكذا قال -عليه الصلاة والسلام- فعلينا بهذا الخلق الكريم، فالحياة الدنيا تدور بين النعماء وبين الضارء، فوطِّن نفسك على أن تكون صبَّارًا شكورًا، صبَّارًا على البلاء، وشكورًا للنعماء.

قال عليه الصلاة والسلام: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له، وليس ذلك إلا للمؤمن».

فإن ابتليت بفقد أي شيءٍ أو بألمٍ في بدنٍ فلا تنسَ نعم الله، فكم لله من نعمة عليك، وأذكرك بقول الصابر المحتسب عروة بن الزبير -رحمه الله- لما خرج مسافرًا فدبَّت في رِجله آفة فنُشِرَت رجله بالمنشار، وهو صابر، فنظر إليها بعد أن نُشرَت وقُطعت وفُصلَت عن جسمه: اللهم لك الحمد، إن كنتَ أخذتَ مني رجلاً فقد أبقيتَ لي أخرى.

فجاءه مُعزٍّ يستأذن، قال عروة: إن كنتَ جئتَ تعزيني في رجلي؛ فقد احتسبتها عند الله.

قال: أنا لم أُعزِّكَ في رجلك، إنما جئتُ أعزِّك في ولدك.

قال: ما الذي أصاب ولدي؟

قال: سقط الآن من فوق جدار فوقصته الدَّابة فمات.

فقال عروة: الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم إن كنت أخذت منِّي ولدًا فقد أبقيتَ لي آخرين.

فلا تكن جحودًا أبدًا لنعمِ الله، فالأمر كله إليه، والملك ملكه، والخلق خلقه، {أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف: 54]. فكن صبَّارًا وكن شكورًا، صبَّارًا على الأقدار المؤلمة، كذلك صبَّارًا على جهالات الناس، وعلى حماقات الناس، فقابل السيئة بإحسان، وقابل الإنكار بشكرٍ، وقابل الإساءات بطيب الكلام، إذا بلغك أن شخصًا سبَّك أو نال منك فبادر بقولك: عفا الله عنه، تجاوز الله عنه.

فاحمد الله أن جعلك من ذوي الأخلاق الكريمة، ولا تخطئ في الناس، ولا تبذوا عليهم، احمد الله الذي عافاك مما ابتلى به سيء الأخلاق، احمد الله على ذلك.

وليكن شكرك بقولك: الحمد لله. وشكرك بعفوك عن الناس.

وكذلك صبرٌ عن المعاصي وامتناع عنها، وكذلك صبرٌ على الطاعات، اصبر عليها وصابر، {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود: 115].

وإن كان من الملاصق للمعنى في الآية: الصبر على جهالات الناس، لقوله تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين} [آل عمران: 134]، أرشدت الآيات -أيها الإخوة- إلى تهذيب النفس بالصلاة أطراف الليل، بالصلاة أطراف النهار وزلفًا من الليل، وكذلك بتوطين النفس على الصبر، فما كرم الأخلاق تُنال بسؤال الله إياها، كما تُنال بعد بالتدرب عليها، فإذا أردت أن تكون صابرًا؛ فاسأل الله الصبر، إذ الله قال: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِالله} [النحل: 127].

وكذلك تدرب على الصبر إن أصبتَ بآفة فلا تتأوه كثيرًا ولا تتوجع، بل واذكر ما قيل للإمام أحمد وهو في مرضه وقد أنَّ أنينًا وتوجَّع توجُّعًا: يا إمام، إن الإمام طاووس يقول: إن الأنين يُكتب، لأن الله يقول: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18].

فبدَّل أحمد التأوهات والأنين بقول "الحمد لله، الحمد لله".

فتدرب على الصبر، إذا جهل عليك جاهل تدرب على عدم الانتصار لنفسك، تدرب على العفو، {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود: 115].

وهكذا عموم مكارم الأخلاق تُنال بسؤال الله إياها، كما كان النبي: «اهدني لأحسن الأخلاق والأقوال والأعمال لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت»، فالحلم بالتحلم، والصبر بالتصبُّر، والكرم يتأتَّى بالتدرب عليه، تدرب على أن تكون كريمًا، تدرب على أن تكون شجاعًا بعيدًا عن الجبن، تدرب على أن تكون مخلصًا بصلاة الليل في خفاء، بصدقة سر، تدرب على صدق الحديث وإن تحمَّلتَ ما تحمَّلتَ، تدرب على صدق الحديث، تدرب على مكارم الأخلاق مع سؤال الله إياها.

قال تعالى في كتابه الكريم: {وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [هود: 115].

ثم ومع تهذيب النفس بالصلاة والتدرب على كريم الأخلاق والاستقامة على أمر الله، أيضًا كن إيجابيًّا في الناس، كن إيجابيًّا ولا يقتصر أمرك على نفسك، فربنا يقول في الآيات التي تلتها: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ} [هود: 116]، فهو مع إصلاح لنفسك ومع سعيك لتزكية نفسك وتطهيرها من الذنوب، ومع سعيك في عمل الطاعات والاستقامة لا تنسَ مَن حولك؛ بل كُن مباركًا في أي مكانٍ تنزلُ فيه، وليتعدَّ نفعُكَ إلى العباد، فإذا رأيت منكرًا في بلدك فلا تترك المنكرات تستشري؛ بل انكر المنكرات، فهذه وصايا في الكتاب العزيز، {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ} أي: أولوا عقل وإيمان وصلاح، {يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ} [هود: 116].

ولقد قال تعالى تعالى في سورة والعصر، قال الإمام الشافعي فيها: "لو تدبرها الناس لوسعتهم"، {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [العصر 1-3].

وبعدُ قال: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 3 ].

ولقمان يُعلم ولده، وليتنا نعلم أولادنا، {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [لقمان: 17]، فلا تتركوا المنكرات تستشري في بلادكم وتقتصروا على تهذيب نفوسكم.

فمن تهذيب النفس أن تنكر المنكر، إذا تركتَ المنكر يستشري غزاكَ المنكر في قعر دارك، إذا رأيت شبابًا يحتسون المدرات وسكتَّ؛ غزتكَ المنكرات في أولادك وبناتك، فسترى ابنك عن قريب يحتسي المخدات ويتناول المسكرات، ولكن ببركة الأمر والنهي يُسلِّمكَ الله من العقاب، ويُسلم ولدك ويحفظه لك.

ولقد أُكرمَت أمة محمد -عليه الصلاة والسلام- بالخيرية، {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].

وكتب الفلاح والسعادة للنهاية عن المنكر، {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104].

فكلِّل قولك بالحكمة والموعظة الحسنة، ما المانع إذا رأيت تاركًا للصلاة أن تقول له: يا بني، تعالَ صلِّ يا بني.

إذا هداه الله لك مثل أجره، قال -عليه الصلاة والسلام: «مَن دعا إلى هدًى كان له من الأجر مثل أجور مَن تبعه من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا».

ما المانع إذا رأيتَ فتاةً متبرجة: يا بنيَّة، اتقِ الله، استرِ نفسك يا بنية، خافِ من الله.

الذكرى تنفع المؤمنين، فكن مذكرًا، ولعل الله أن يُصلح على يديك، وأن يُصلح بقولك، قال تعالى: {فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ} [هود: 116]، أي: بقية من عقل وصلاح وإيمان، {يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ} أي: ما كان هذا موجودًا، {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ}.

فإذا نظرت إلى قوله: {إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ}، تعرف أن النجاة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وشَهِدَت لهذا الشواهد، {فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنْ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} [الأعراف: 165]

فأيقن أن من أسباب سلامتك، ومن أسباب نجاتك وإن ابتُليَ الناس كلهم- كونك تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

قال تعالى: {وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ} [هود: 116]، ثم قال تعالى: {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117].

قال فريق من العلماء: لم يكن الله سبحانه ليُهلك القرى بالشرك فقط؛ إلا إذا انضمَّ إلى الشرك جرمٌ آخر، فينتقم الله من المشرك الظالم.

أما الشرك عقوبته تؤجل إلى الآخرة وهي الخلود في النار.

أما في الدنيا، قال بعض العلماء في تفسير الآية {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117]، قال بعضهم: إذا نظرتَ إلى قومٍ كقوم عاد كانوا كفرة، لكن انضمَّ إلى كفرهم أذاهم للعباد وقتلهم للعباد.

إذا نظرت إلى قوم شعيب كانوا كفرة، ولكن انضمَّ إلى كفرهم تطفيف الكيل والميزان.

إذا نظرت إلى فوم لوط، كانوا كفَّارًا، انضمَّ إلى كفرهم إتيان الذكران من العالمين.

إذا نظرت إلى قوم فرعون، كانوا كفارًا، انضمَّ إلى كفرهم ذبح الأبناء واستحياء النساء، وتسخير الرجال. فهذا وجهٌ.

ولذلك قال بعض العلماء: إن الأمم الكافرة إن كانت في الدنيا عادلة فيما بينها أُخِّرَ عذابها إلى يوم القيامة على الكفر، وسلمت كثيرًا في الدنيا. وإن الأمم المسلمة إن كانت ظالمة فيما بينها عُجِّلت لها العقوبة في الدنيا.

وأستُدل لهذا بقول النبي -عليه الصلاة والسلام: «ما من ذنب أجدر أن تعجل العقوبة لفاعله في الدنيا، مع ما يُدخر لصاحبه يوم القيامة من البغي وقطيعى الرحم»، فهذه عقوبتها عاجلة في الدنيا. فهذا الوجه الأول {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ} [هود: 117]، أي: بشرك، {وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ} [هود: 117]. هكذا قال فريثق من العلماء.

ثم قال تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} أي ملة واحدة وجماعة واحدة، ولكن: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} [هود: 118]، ولا يزالون مختلفين، فلم يزلِ الناسُ في خلافات، ولم يزلِ الناس في تشاحنات، ولم تزلِ طرائق الناس قددًا.

{وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} [هود 118، 119]، فمن رحمهم الله لا يختلفون، بل يجتهدون لجمع الشمل، وجمع الكلمة، فإن الاختلاف الشديد والتباغض والتحاسد سُنَّة لأهل الإجرام.

قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [آل عمران: 105].

قال تعالى في شأن أهل الكفر: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} [الحشر: 14].

وقال تعالى في كتابه الكريم، آمرًا بالاجتماع: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: 103]، هكذا قال ربنا.

وقال: {‏وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46]، فجدير بأهل الإسلام أن يجتمعوا ولا يفترقوا.

نعم قد تأتي مسائل من مسائل الاجتهاد في قضية من القضايا، فالله خلقنا أطوارًا، ومن مضامن ذلك ومعانيه: أن أفهامنا تختلف.

ولقد قال تعالى: {وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ * فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ} [الأنبياء 78، 79]، فقد يرد اختلاف في فهم قضية من القضايا مع سلامة القلوب ونقائها، فربنا قال: {وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 20].

قد تفهم أنت مسألة انا لا أفهمها من فضل الله عليك ومن عطاء الله لك، ولكن القلوب متواددة، القلوب متحابَّة فيما بينها.

أما إذا كنت من قلبك تبغض إخوانك، تكرههم، فهذا بداية الدمار لك، وبداية العذاب والشؤم والنكد، فكلٌّ يعرض نفسه كتاب الله وعلى سنَّة رسول الله، ولا تغرنَّه الأماني.

انظر إلى قلبك، هل أنت تحب الخير للمسلمين؟ هل أنت تحب أن يُستر عليهم ولا يَفتضحوا، هل أنت تحب لهم الأمن والأمان والسلامة؟ أم أنك تتمنى لهم الفضيحة؟ وتتمنى أن يُشهَّر بهم؟

إذا كانت الأخيرة فأنت على شرٍّ، وارقب قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النور: 19].

أيها الإخوة، انظروا إلى هذا المثل الراقي، والكلام الطيب الذي قاله ابن عباس لرجل شتمه وسبَّه: "يا فلان لِمَ تشتمني؟ لِمَ تسبني؟ والله ما رأيتُ سحابة في السما توشك أن تمطر إلا وسعدتُّ بها وحمدتُّ الله مع أنني ليست لي أرض تُسقَى، ولكني أيقنتُ أنها ستنزل على أرض المسلمين، فأفرح لأهل الإسلام، وأسعد لأهل الإسلام، مع أنه ليس لي أرض تسقى، فلِمَ تشتمني؟ ولِمَ تسبني؟".

فكن محبًّا للخير للمسلمين. إن وجدتَّ قلبك فيه غير هذا فاستغفر الله وادعُ بدعاء أهل الإيمان: {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْأِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا} [الحشر: 10]، أسأل الله أن يطهر قلبك من الذنوب والخطايا بالماء والثلج والبرد، قبل أن يُطهَّر بماء جهنم -والعياذ بالله- ولن يُطهَّر!

قال تعالى: {وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ} [هود 118، 119]، أي: أن المرحومين يحرصون على الاجتماع، يحرصون على الالتفاف.

ولقد قال -عليه الصلاة والسلام: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم»، فالظواهر تنعكس على البواطن، فلا تختلف في الظاهر، فيُورِثُك هذا الاختلافُ اختلافًا في الباطن. ولذا والنبي يسوِّي الصفوف قال: «لتسوُّنَّ صفوفكم، أو ليخالفنَّ الله بين وجوهكم».

فترى أصحاب حتى الزيِّ الظاهر يحنون لمن يلبسون مثل ملابسهم، ترى الشخص الذي يلبس الثوب الأبيض يحنُّ لمثيله الذي يلبس اللبس الأبض، والذي يلبس شيئًا يحنُّ لمن يلبس مثله.

هكذا، فالاجتماع في الظاهر يجلب اجتماعًا أيضًا في الباطن في كثير من الأحيان، فالملابس تؤثر في لابسيها، والكلمات تؤثر في متكلميها، وحتى المطعومات تؤثر فيمن طعموها، وكما قال ابن القيم: "أكلت الروم لحومَ الخنازير فكانت فيهم الدَّياثة، وأكلت التُركُ لحومَ الخيل فكانت فيهم الشَّراسة، وأكل العراب لحومَ الإبل فكان في كثير منهم الصبر والحقد".

عمومًا: اجتمعوا في ظوارهكم تجتمع قلوبكم -بإذن الله- ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم.

لقد خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على بعض أصحابه وهم يتجادلون في آية من كتاب الله وتفسيرها واختلفوا، خرج وكأن حبَّ الرُّمَّان يتفقَّأ في وجهه من شدَّة الغضب قال: «ألهذا خُلقتم؟ أم بهذا أُمرتم؟ لا تضربوا كتاب الله بعضه ببعض، ألا تكونون مثل هذا الرجل الصالح» وأشار إلى عبد الله بن عمرو بن العاص وقد كان معتزلًا القوم.

أيها الإخوة، قد قال الرسول -عليه الصلاة والسلام: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمَن ترك المراء ولو كان محقًّا».

قال تعالى: {وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} [هود 119، 120].

ثم قال تعالى: {وَكُلاًّ نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ} [هود: 120]، فاقرؤوا أنباء الرسل، اقرؤوا قصص الأنبياء، علموها أولادكم وتعلموها، فبها يثبت الفؤاد، {وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه} أي في هذه السورة {فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ * وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ * وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ} [هود120- 123].

ألا فاستغفروا ربكم إنه كان غفارًا.

أيها الإخوة، ومع سعينا لتهذيب أنفسنا بالصلاة والذكر والاستغفار والصيام والصدقة والطاعات، ومع سعينا أيضًا لنفع الآخرين بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، علينا ومع إخلاصنا العمل لله علينا أن نتحلى بمكام الأخلاق، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم: «إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق».

وقال: «وإن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم الذي لا يُفطر، والقائم -أي في صلاته- الذي لا يفتر»، أي لا يتعب.

وقال: «إن من أحبكم إليَّ وأقربكم منِّي مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا»، فلنحرص على تحسين أخلاقنا، فليس المؤمن بالطعَّان ولا باللَّعان ولا بالفاحش ولا بالبذيء.

ولقد قال تعالى: {وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ} [الحجرات: 11]، لا تعيبوا إخوانكم

{بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ} [الحجرات: 11]، فإن عبتَ إخوانك ولمزتهم تحولت إلى فاسقٍ بعد أن كنت مؤمنًا، إذا النبي قال: «سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر»، وإذا علمتم أن العبادادت شُرعَت، ومن مقاصد تشريعها تهذيب الأخلاق؛ لسعيتم إلى تهذيب أخلاقكم، فالصلاة أعظم عمل بعد الشهادتين، قال سبحانه في شأنها: َأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [العنكبوت: 45].

وقال: «إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وائتوها وعليكم السكينة والوقار».

وقال في المساجد: «وإياكم وهيِّشات الأسواق».

هكذا تُهذِّب الصلاةُ الأخلاقَ.

والصيام كذلك: «إن كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفث، ولا يفسق، ولا يصخب؛ إن سابَّه أحدٌ أو شتمه فليقل: إني امرأ صائم، ومَن لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه».

والحج، {فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: 197]، «ومن حجَّ فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه».

وهكذا سائر العبادات بها تُهذَّب الأخلاق، {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [التوبة: 103].

فكن أيها الأخ الكريم حسن الأخلاق؛ ترتفع بحسن الخلق درجات، أما إن كنتَ سيئ الأخلاق؛ فإنك تنخفض ولو كنت ممن يعملون الصالحات، تنخفض درجاتك وإن كنت من المصلين والصائمين والمتصدقين، تنخفض درجاتك يوم تلقى الله، فلكل يأخذ منك ومن حسناتك عياذًا بالله من ذلك.

فتحلى بكل كريم من مكارم الأخلاق، تحلى بكل مكرمة من مكارم الأخلاق، اصدق، فلا يزال الرجل يصدق ويتحرَّى الصدق حتى يُكتب عند الله صدِّيقًا.

كذلك كن كريمًا تدرب على إكرام الضيف، تدرب على الشجاعة في قول الحق، تدرب كذلك -كما سلف- على الصبر، تدرب على الحلم، تدرب على العفو عن الناس، تدرب على كل هذا، فهذا يقربك من رسول الله يوم القيامة، «إن من أقربكم منِّي مجلسًا أحاسنكم أخلاقًا».

لقد قال الرسول: «إن اللعانين لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة»، لا تكن همّّتك الطعن في هذا، واغتياب هذا، ولمزُ هذا، ونقل الكلام من شخص إلى آخر، قيل وقال، الله يكره ذلك منك، «إن الله كره لهكم قيل وقال».

النمَّام مرتكب لكبيرةٍ ويُعذَّبُ في قبره، وناقل الوشايات بين الناس يُعذَّب، والسبَّاب الشتَّام لا يدخل في عِداد الشفعاء ولا الشهداء يوم القيامة، بل موصوف بالفسوق، فهل ترضى لنفسك أن تقول فاسقًا؟!

دعكَ من القيل والقال واللغو واللغط، فأهل الإيمان إذا مرُّوا باللغو مرُّوا كرامًا.

أيها الإخوة، هذِّبوا أخلاقكم، وأدُّوا الحقوق التي عليكم، ولقد قال -عليه الصلاة والسلام: «يُبصر أحدكم القذاة في عينِ أخيه، وينسى الجذعَ في عينه»، أي أنك أمام أخيك المسلم تدقق النظر في عينيه، إن رأيت شعرة خرجت تقول: به وبه، وأنت يا أخي في عينك حجر غافل أنت عنه، فانشغل كثيرًا بتهذيب نفسك، {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس 9, 10].

لا تهمل ولا تنسَ نفسك؛ بل تعاهدها بالإصلاح، قم من الليل وسل نفسك! أنا ظلمتُ مَن في يومي هذا؟ هل أكلت مال أحد؟ هل اغتبتُ مسلمًا؟ هل أفسدتُّ بين أناس؟ هل نقلتُ كلام ناس لناس على سبيل الإفساد؟

قم من الليل فكِّر فيما تصنع في أقوالك، في أعمالك، هل وصلتُ رحمي أم أنني منشغل بالطَّعنِ في النَّاس؟ هل أصلحتُ أولادي وبناتي؟ هل بررتُ والديَّ؟ هل قلت لوالدي الذي مات، وكم أدَّى إليَّ من معروف، وكم أحسن إليَّ من إحسان، هل قلت: ربِّ ارحمه كما ربَّاني صغيرًا؟

هل قلتُ ذلك عن والدتي؟ هل قلت: رب ارحمهما كما ربياني صغيرًا؟ هل صنعتُ ذلك؟

هل عدتُّ مريضًا؟ هل شهدتُّ جنازة أم أنني من الخير محروم؟

فكر في كل هذا، ولا تنشغل بالطعن في أعراض المسلمين، والطعن في أعراض المسلمات.

ما النفع الذي قدَّمته لأهل بلدي؟ هل أصلحتُ بين متخاصمين؟ هل أطعمتُ جائعًا؟ هل أعطيتُ مسكينًا؟ هل زرتُ مريضًا؟ هل اتَّبعتُ جنازة؟

فكر يوميًّا في نفسك، فالحياة تمرُّ سريعًا، وهي درا ابتلاء ودار اختبار، فاغنم منها حتى تخرج غدًا يوم تلقى الله موفَّقًا ناجحًا بتفوقٍ، لا تخرج والناس قد أعدوا لأنفسهم ديارًا وليست لك دار، الناس قد مهَّدوا لأنفسهم في فسيح الجنان بذكرٍ وصلاة، ووصل رحم وإصلاح، وأنتَ أهملتَ نفسكَ وخيَّبتَ نفسك وضيَّعتها وأفسدتها وانشغلتَ بعيوب الناس عن عيب نفسك!

فانشغل -أيها الأخ الكريم- بتمهيد مكانٍ لنفسك في الآخرة، قال تعالى في شأن أهل العمل الصالح مع الإيمان: {فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ} [الروم: 44].

مهِّد لنفسك وأنشئ لها مسكنًا في الجنة بدل من أن تضيعها في الدنيا.

أيها الإخوة، كونوا كما قال تعالى في شأن عيسى -عليه السلام: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً أَيْنَ مَا كُنْتُ} [مريم: 31]، إذا حللتَ مكانًا فكن مباركًا على أهل المكان، تصلح بين المتخاصمين، تؤلف بين المتباعدين، تنشر خيرًا، تتصدق، تحسن، تعلم جاهلًا، تعطي سائلًا، لا تكن مصدرًا للفتن ومصدرًا للشرور، لا تكن مفسدًا بين الأحبة، لا تكن باغيًا وبابًا للعنَتِ والمشقَّة؛ بل كن باب إصلاح، كن من أبواب الإصلاح، لا تكن من أبواب الشر وأبواب الفساد.

أيها الإخوة، لا يخدعنَّكم الشيطان، ولا يغرنَّكم بالله الغرور، أعرضوا أنفسكم على الكتاب العزيز حتى تنظروا مَن أنتم، هل أنتم من البررة الذين قال الله فيم: {كَانُواْ قَلِيلاً مّن اللّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الذاريات 17، 18] ؟

هل أنتم مخلصون العمل لوجه الله؟ هل أنتم سلمتم من الرياء المدمِّر المحبط للأعمال؟

انظروا إلى مقولات سلفكم الصالح، ها هو الحسن البصري كان يطيل الحزن، فعاتبه معاتبٌ، قال: ما لي أراك هكذا يا حسن؟ ما لي أراك كثير الأحزان؟

فقال: "يا هذا، هل بلغك أنك سترد النار؟".

قال: بلغني، إذ الله قال: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا} [مريم: 71].

قال: "هل بلغك أنك من الناجين؟"

قال: ما أزكِّي نفسي، بل الله قال: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا} [مريم: 72]، لا أستطيع أن أزكي نفسي.

فإذا كان هناك يقين أنك سترد، {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا} [مريم: 71]. سواء المرور على الصراط، أو الوقوف على الشفير، لكن ما عندك يقين أنك ستصدر عنها، إذ الله قال: {ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم: 72].

أيها الإخوة، إن الأمم ستجثوا يوم القيامة بين يدي خالقها، ستجثوا حول الجحيم كما قال تعالى: {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الجاثية 28، 29].

أيها الإخوة، كل الأمم ستجثوا على ركبها يوم القيامة، كل الأشخاص سيكونوا جثاة على الرُّكب يوم القيامة، ومنهم مَن يجثو حول جهنم، {فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا * ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَٰنِ عِتِيًّا} [مريم 68، 87]، فالأمم ستجثوا يوم القيامة على الركب، {وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هَذَا كِتَابُنَا} [الجاثية 28، 29]، الذي كُتبت فيه أعمالكم.

{هَذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ} [الجاثية: 29]، أي نكتب.

{مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، فهفواتكم تُكتب، أقوالكم تُكتب، أفعالكم تُكتب، كل ذلك مسطَّر تسطيرًا عند ربي في كتاب، كل أعمالكم مسطَّرة.

أختم بحديث رسول الله -عليه الصلاة والسلام- الذي قال فيه -عليه صلوات الله وسلامه: «يقول العبد يوم القيامة: يا ربِّ، يا ربِّ؛ ألم تُجرني من الظلم؟

فيقول الله له: بلى، قد أجرتك.

فيقول: يا ربِّ، إذن فأنا لا أجيز على نفسي إلا شاهدًا منها».

أي: لا أقبل شهادة مَلَك، ولا شهادة أي شيء على نفسي! إذن تقبل شهادة من على نفسك؟

يقول: أقبل شهادة نفسي على نفسي فقط.

«فيُختم على فيه، فتنطق فخذه بما أحدث، عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا»، تنطق أركانه، يده تنطق، لسانه ينطق، كل الجوارح تنطق، حينئذٍ يقف مبهوتًا أمام شهادة الأركان عليه.

يقول: «سحقًا لكُنَّ وبُعدًا، عنكنَّ كنت أناضل» عنكنَّ كنتُ أدافع.

قال تعالى: {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلا أَبْصَارُكُمْ وَلا جُلُودُكُمْ وَلَكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ اللَّهَ لا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِّمَّا تَعْمَلُونَ * وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنْ الْخَاسِرِينَ} [فصلت 21-23]، أرداكم: أهلككم.

اللهم يا رب يا وليّ الإسلام وأهله أخرجنا من دار الدنيا بإيمان، وسلامة وإسلام، وتوفيقٍ لما تحبه وترضاه.

اللهم يا وليّ الإسلام وأهله ثبتنا على الإيمان حتى نلقاك، مسِّكنا اللهم بالعروة الوثقى حتى نلقاك.

يا ولي الإسلام وأهله آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.

اللهم إنا نسألك إيمانًا لا يرتد، ونعيمًا لا ينفد، ومرافقة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- في أعلى جنة الخلد.

اللهم أسكنا الفردوس، اللهم ألحقنا بمَن أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا.

اللهم ارحم أمواتنا وأموات المسلمين، واشفِ مرضانا ومرضى المسلمين، وفك أسرانا وأسرى المسلمين، واكشف الضر عنا وعن المتضررين المسلمين، وسُدَّ عنَّا الديون وعن المسلمين يا رب العالمين.

ألِّف اللهم بين قلوبنا، اهدنا يا ربنا سبل السلام، أخرجنا يا ربنا من الظلمات إلى النور، أصلح أحوالنا وأحوال بلادنا، أصلح اللهم أحوالنا وأحوال بلادنا وبلاد المسلمين، ولِّ علينا يا ربنا خيارنا، اللهم ولِّ علينا خيارنا، اللهم ولِّ علينا خيارنا، اجعل يا ربنا ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتَّبع رضاك إلى يوم الدين يا رب العالمين.

اكشف يا ربنا الضر عنا وعن المتضررين في سوريا وفي كل بلاد المسلمين، يا رب العالمين أخرجنا من الدنيا بإيمان وسلام ثابتين على التوحيد والإسلام.

أيها الإخوة، صلاتكم وسلامكم يصل إلى نبيكم، فامتثلوا أمر ربكم وصلوا على نبيكم وسلموا تسليمًا، وأقم الصلاة.

   طباعة 
6 صوت
الله , كتاب , البلاغ , استقم , فتنة , المخارج , العدوي , آكل , الركون , الذاكرين , رغب , ظالم , فسر , أمرك , سنتي , الليل , طغيان , البيت , الساعة , الأمانة , السكون , النصر , تصلي , الحصاد , روح , أقم , الشيخ , تهذيب , الفتن , الرسالة , القرآن , الكفارات , مصطفى , القنوط , زينب , الطغيان , العلماء , النفوس , اللحم , بيته , السيئات , الذنب , النجاة , الميل
التعليقات
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
الدرس السابقة
الدروس المتشابهة الدرس التالية
جديد الدروس
جديد الدروس
مواقع التواصل
Powered by: MktbaGold 6.4