اعلان المسابقة الكبري الرمضانية لتطوير موقع فضيلة الشيخ

وهو الذي يقبل التوبة عن عبادة

عرض الدرس
وهو الذي يقبل التوبة عن عبادة
7746 زائر
18-12-2012 11:49
الشيخ مصطفى العدوي

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد
فدائمًا أذكر نفسي وإخواني بشكر الله سبحانه، وبحمده -عز وجل-، فشكره عز وجل وحمده من أعظم أسباب حفظ النعم وزيادتها، قال الله تعالى في كتابه الكريم: {
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ} [إبراهيم: 7]، وقال تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء: 147]، فكلمة "الحمد لله" سبب في زيادة النِّعم وسبب في نمائها، فلذلك لا ينبغي أبدًا أن يخلو منها أي مجلسٍ، فلنكثر منها لعلَّ الله أن يكتبنا وإياكم في عِداد العباد الشكورين.
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فبكلمة "الحمد لله" قد تُدفَع عنك نقمة وأنت لا تشعر لما سمعته من قوله تعالى: {
مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء: 147]، و"الحمد لله" هي كلمة كل شاكر، وقد قال عدد من علمائنا -رحمهم الله: إن نبي الله نوح -عليه السلام- أطلق عليه "العبد الشكور" لكثرة شكره لله. بعد كل أكلة؛ يشكر الله، بعد كل شربة يحمد الله، فلنكن هكذا شاكرين لله، حامدين لله على نعمائه.
والصلاة والسلام على نبينا محمد -صلوات الله وسلامه عليه وعلى آل بيته- فقد بلَّغ ما أُمرَ بتبليغه خير بلاغ، وأدَّى ما أُمر بتأديته خير أداء، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آل بيته، جزاه الله عنَّا وعلى المسلمين خير ما جازى نبيًّا عن امته، نسأل الله أن يؤتيه سؤله، وأن يبعثه مقامًا محمودًا الذي وعده، وأن يؤتيه لواء الحمد. اللهم آمين، اللهم آمين.
ثم ولأنه لا يشكر الله مَن لا يشكر الناس، فأشكر أخي فضيلة الشيخ جمعة وفَّقه الله، وبارك الله له في أهله وذريته وعلمه وما رزقه، وأشكر أخي فضيلة للشيخ سيد بيومي وفقه الله، وأسأل الله أن يبارك فيه في علمه وفي أهله وفيما رزقه، وأسأل الله ان يبارك فيكم، وأن يحفظ جمعكم، وأن يخلفكم دائمًا في ذراريِّكم بخير، وأن يزيدنا وإياكم إيمانًا. اللهم آين.
إخواني -بارك الله فيكم- دائمًا وأبدًا علينا أن ندرك أن الأمور كلها منتهاها إلى الله كما قال الله تعالى: {
وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى} [النجم: 42]، فلا يحدث شيء في هذا الكون إلا بإرادة الله سبحانه كما قال تعالى: {وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى}، وكما قال: {يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ} [السجدة: 5]، فلا يحدث أي شيء في هذا الكون إلا بإرداته -عز وجل-، فهو الذي يعز ويذل، ويكرم ويهين، ويخفض ويرفع، ويغني ويقني، ويضحك ويبكي، يفك عانيًا، يرد غائبًا، يشفي مريضًا، يعافي مبتلًى -سبحانه وتعالى-، خزائن كل شيء بيديه، ومنتهى الأمور كلها إليه، {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} [الحجر: 21]{وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى}، فالمنتهى في كل الأمر كلها إلى الله -سبحانه وتعالى-، لن يتسلط قومٌ على قومٍ إلا إذا سلطه الله، ولن ينكفَّ أذى قومٍ عن قومٍ إلا إذا كفَّه الله، قال تعالى مذكرًا بنعمتة كثيرًا ما غفلنا عنها: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} ما هي هذه النعمة؟ {إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [المائدة: 11] وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ} [الفتح: 24]، فكما سلف: لن يتسلط قوم على قوم إلا بإذن الله، ولن ينكف شر قومٍ عن قوم إلا إذا كفَّهم الله، وهذا أحد المعاني لكلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله" التي عدَّها النبي -صلى الله عليه وسلم- كنزًا من كنوز الجنة إذ قال لأبي موسى الأشعري -رضي الله عنه: «يا أبا موسى، هل ادلك على كلمة هي كنز من كنوز الجنة؟». قال: بلى يا رسول الله. قال: «قل: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها كنز من كنوز الجنة».
فمن معانيها: لا تحوُّل لشيء عن شيء إلا إذا حوله الله، فلن يتحول عنك جار سيء شرير إلا إذا حوَّله الله، ولن يتحوَّل أذى مؤذٍ عنك إلا إذا حوَّله الله، ولن تتحول عن وظيفتك إلى وظيفة إلا إذا حوَّلك الله، لن تتحول زوجة عن زوجها بفراق إلا إذا حوَّلها الله، فلا تحوُّل لشيءٍ عن شيءٍ إلا إذا وَّله الله.
ولذا؛ قال الصديق يوسف -صلى الله عليه وسلم: {
وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} [يوسف: 33]، فلن يُصرَف عن يوسف وهو الصديق كيد النساء إلا إذا صرفه الله -سبحانه وتعالى- عن ذلك.
فهذا كله من معاني "
لا حول ولا قوة إلا بالله"، فقد يعظم في صدرك أمرٌ معين وتنشغل به تمام الانشغال وهو في أعين الناس أمر يسير، فلن تنصرف عن الانشغال بإلا إذا صرفك الله، ولن تتحول عنه إلا إذا حوَّلك الله.
وأذكر كلمة شاعرٍ ماجنٍ يقول وقد أحب امرأة سوداء فيها كل صفات الدمام:
أحببت لحبها السودان حتى ** حببت لحبها سود الكلاب
فمن الذي أقبل بقلبه على هذه المرأة الذي يراها الآخرون ويتقززوا منها؟ إنه لا يستطيع التحكم في قلبه، ولا يتحول قلبه عن شيء إلا إذا حوَّله الله.
وكذلك "لا قوة إلا بالله"، لن تستطيع أن تفعل أي شيءٍ إلا بالله، لن تستطيع أن تذكر الله إلا إذا أُعنتَ على ذكره، لن تستطيع أن تقاتل عدوًّا إلا إذا أُعنتَ على قتاله، لن تستطيع أن تصنع صنعتك إلا إذا أعانك الله على ذلك.
ولذلك ففي الحديث: «يا معاذ لا تدعنَّ دبر كل صلاة أن تقول: رب أعنِّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك»، وفي الآية لكرينة: {
رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ} [النمل: 19]، فلن يستطيع أن يشكر لنعمة إلا إذا أعانه الله على شكرها، ولن يستطيع أن يعمل صالحًا إلا إذا أعانه الله على العمل الصالح.
فلذا؛ علينا دائمًا وأبدًا بدعاء الله وبسؤال الله، برجاء الله، نسأله كل ما نريد، نطلب منه كل ما نشتهي.
إذا جعت: يا رب جعت فأطعمني. عطشت: يا رب عطشت فاسقني. تعرَّيت: يا رب تعرَّيت فاكسني.
فربك لا ينشغل بكبير عن صغير، ولا بجليل عن حقير، ولقد قال تعالى ومنه استُلَّ هذا المعنى لذكور: {
وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ}[المؤمنون: 17]، أي سبع سماوات شدادَا، {وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ} [المؤمنون: 17]، مع خلقنا السبع السماوات لم ننشغل عن تدبير أمر النملة، ولا أمر النحلة، ولا أمر الهدهد، لا أمر الحوت في البحر، ولا أمر الوحش الكاسر في الغابة، فهو يسأل ربه رزقًا، يسأل ربه صيدًا، جعت يا ربي، فربنا لا ينشغل بكبير عن صغير، ولا بجليل عن حقير، «كلكم جائع إلا مَن أطعمته، فاستطعموني أطعمكم. كلكم عارٍ إلا مَن كسوته، فاستكسوني أكسكم. كلكم ضالٌّ إلا مَن هديته فاستهدوني أهدكم».
فكل ما تريدونه اسألوه ربكم، أردتم الأمن والاستقرار؛ فالله الذي يُطعم من جوع ويؤمِّن من خوف، وقد يكون الناس كلهم في ابتلاء وأنت ولتقواك في رخاء وراحة بال والحمد لله. فكل شيء تريده اسأل الله إياه.
والله يغضب إن تركت سؤاله ** وبني آدم حين يُسل يغضب
إخواني، دائمًا وأبدًا بذكر الله تطمئن القلوب، كما قال وقوله الحق: {
الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ * الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ} [الرعد 28، 29].
ومن ذكر الله الذي تطمئن به القلوب وقد ذكره العلماء: كتاب الله سبحانه. فكتاب الله ذكرٌ به تطمئن القلوب، كتاب لله ذكر إذ الله قال: {
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]، كيف تطمئن القلوب بهذا الكتاب العزيز؟
لذلك وجوه ذكرها العلماء، لا يخفى عليكم أن الذي يجعل القلب يضطرب ويقلق بإذن الله هو الشيطان، هو الذي يزعجك ويقلقك ويخوفك، قال تعالى في كتابه الكريم: {
أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم: 83]، قيل:تزعجهم إزعاجًا، تدفعهم إلى لمعاصي فعًا.
قل تعالى: {
أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ} [الزمر: 36]، وقال: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ} [آل عمران: 175]، فدائمًا الشيطان يقلقل ويُزعج ويخفك ويجعلك دائمًا في همٍّ ونكد، لا يريد لك استقرارًا، ولا يريد أبدًا لقلبك طمأنينة، فكلما ابتعدت عن ذكر الله كلما تسلط عليك الشيطان تسلطًا أقوى.
قال تعالى: {
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف 36، 27]، فكلما ابتعت عن ذكر الله تسلطت عليك الشياطين فأقلقتك، فإذا تلوت كتاب الله تنزلت الملائكة، فإذا تنزلت الملائكة هربت الشياطين فاستقرَّ القلب.
وهكذا في سائر صور الذكر لا رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلين يستبَّان، أحدهما احمرَّ أنفه واحمرَّ وجهه وانتفخت أوداجه -عرق رقبته- قال: «
إني أعلم كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد، لو قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، لذهب عنه الذي يجد».
فكتاب الله به تطمئن القلوب، وكلما تدبَّرتَ تدبُّرًا آخرًا كلما اطمأن اللقب بصرة أكبر.
فأذكر نفسي وإياكم بآيات مباركات، وكل كتاب الله مبارك، كتاب الله مبارك عند تعلمه، فأنت وأنت جالس تستمع تُثاب وترتفع درجتك، ترتفع درجتك لكونك تتعلم، {
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]، وكذلك لكونك تستمع، {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} [الأعراف: 204]، تُثب لتعلمك، تُثاب لتدبرك، تُثاب لاستماعك، فأنت في بركة دومًا مع كتاب الله.
وينبغي أنت أيضًا كمؤمن أن تكون مباركًا في أي مكان تحل فيه عليك أن تكون مباركًا على أهل المكان بإذن لله، فإذا نزلت مكانًا فكن سببًا لجمع الكلمة، سببًا لتعليم جاهل، سببًا لسدِّ حاجة فقير، سببًا لإرشاد ضال، لا تكن أبدًا سببًا للفتن، ولا سببًا للمشاكل، ولا سببًا للاختلافات، كن ميمونًا في أي مكان تنزل فيه، واذكر مقولة المسيح عيسى -عليه الصلاة والسلام- وهو في المهد وهو يقول: {
وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ} [مريم: 31]، في كل مكان تنزل فيه كن مباركًا على هذا المكان وعلى أهل هذا المكان، واحرص على ذلك، فترى الصديق يوسف في كل مكان مبارك، في السجن: {نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 36]، وهوعزيز على مصر: {وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ} [يوسف: 88]، في كل مكان يحل فيه هو مبارك على أهل هذا المكان، فاحرص على أن تكون مباركًا.
أذكر بكلمة ق تُستغرَب: أهل جزيرة من جزر البحر الأحمر كانوا يقولون: غفر الله لعمر بن عبد العزيز -الخليفة الراشد-، يقولون: غفر الله لعمر بن عبد العزيز، وجزى الله الحجاج بن يوسف الثقفي خيرًا.
كيف هذا؟! الحجاج مشهور بسفك الماء، وعمر بن عبد العزيز مشهور بالعدل!
قالا: إن عمر بن عبد العزيز كان ينفي الأشرار، فنفي إلى جزيرتنا في البحر رجلًا شرِّيرًا فآذانا، والحجاج كان ينفي الصالحين فأتانا فلان الصالح الذي نفاه الحجاج فتعلمنا منه واستفدنا منه، وهُدينا بسببه. هذه وجهتهم.
الحاصل: أن الشخص يكون مباركًا أينما كان وأينما حل.
أرجعُ إلى كتاب الله -سبحانه وتعالى- ذلكم الكتاب المبارك، أذكر نفسي وإخواني بآيات من سورة الشورى -وكما سلف- كتاب الله كله مبارك، ومن بركته أنك إذا تعلمت آية ترتفع درجات -بإذن الله.
يقول الله -سبحانه وتعالى- في كتابه الكريم: {
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [الشورى: 25]، سبحان الله!
مهم صنعت من جرائم، مهما صنع الشخص من آثام، ومهما ارتكب من آثام، ثم أراد الروع إلى الله ؛ فالله يقبل رجوعه ولا يُغلق الباب في جهة أبدًا أبدًا، حتى لا ييأس شخص من رحمة الله، ولا يقنط شخص أبدًا من رحمة الله، فربنا رحيم، وربنا غفور.
{وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ}، أخطأت وابتعدت عن طريق الله وأردت الرجوع، فالتوبة الرجوع، فبابها مفتوح، ادخل تب إلى الله سبحانه، إن كنت قاتلًا، إن كنت زانيًا، إن كنت سارقًا، كل أبواب التوبة مفتوحة لا تغلق، رُدَّ المظالم إلى أهلها قدر استطاعتك.
ولقد قال تعالى في كتابه الكريم: {
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 110].
ويقول تعالى:
{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا} [الزمر: 53].
ولا يخفى عليكم قوله تعالى: {إ
ِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 116]، لا يغفر أن يشرك به إذا مِتَّ على الشرك، أما إذا تبت من الشرك قبل مماتك يُغفر أيضًا {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ} [الأنفال: 38].
ولا يخفى عليكم أن كل الآيات أو جُلَّ الآيات التي ذُكرت فيها عقوبات لأهل الجرائم بعدها تُفح أبواب التوبة، يقول -تعالى ذكره- بعد ذكر قطَّاع الطرق وعقوبتهم: {
إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} [المائدة: 33]، لكن تفتح أبواب التوبة لهم: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 34].
كذلك الزناة والقتلة: {
وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَنْ تَابَ} [الفرقان 68 - 70]، فمن تاب يقبل الله توبته.
وهكذا كل صاحب جريمة، {
فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا * إِلَّا مَنْ تَابَ} [مريم 59، 60]، فلا تيأس أبدًا من رحمة الله، أبدًا بحالٍ من الأحوال لا تيأس من رحمة الله.
قال فريق من المفسرين في تفسير قوله تعالى: {
وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: 195]، من الإلقاء باليد إلى التهلكة صور، منها: أن يذنب الشخص الذنب فيقول: لن يُغفر لي هذا الذنب، فيترك الاستغفار فيهلك بتركه الاستغفار بقنوطه من رحمة الله، لأن الله قال: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87]، وقال: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر: 56]، فدائمًا لا تيأس أبدًا من رحمة الله، لا تقنط ابدًا من رحمة الله -عز وجل.
قال تعالى: {
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ} [الشورى: 25]، يذكرنا ربنا بأنه يعلم ما نفعل {وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ} [الشورى: 25].
فلتكن هذه الآية منك على بال، أن الله يعلم ما نفعل، في أي مكان كنت، الله يعلمك ويراك، فكن مراقبًا لله ولا تغفل، إذا لزمت المراقبة استقام أمرك، ولذلك يجب أن نعلم أبناءنا، يجب وجوبًا أن نعلم أبناءنا ذلك ما علم لقمان ولهداه، ففي تعليمه يقول له: {
يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ} [لقمان: 16]، على أحد الوجهين: {يَا بُنَيَّ} المعلومة التي علمتها، حسنة كانت أوسيئة، إن كانت في صغرها مثقال حبة من خردل عُملت في أي مكان في السماء أو في أي مكان في الأرض، أو في صخرة أحاطت بك من كل الجوانب {يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ}[لقمان: 16].
فعلم ولدك: يا بني إن كنت في صخرة، الصخرة محيطة بك لا يراك أي شخص، وعملت حسنة أوسيئة قدر حبة خردل ستفى بها يوم القيامة.
هل إذا تعلم الولد هذا التعليم وأخذ حيِّزًا من ذهنه هل ترونه يسرق؟ هل ترونه يخون إذا أيقن بذلك؟
إن هذا المعنى تكرر مرارًا في كتاب الله، قال تعالى: {
بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة 14، 15]، فمن تفسيره تفسير فيه: {وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ} [القيامة: 15]، لو أرخيت على ستره وأغلق عليه أبوابه فهو بصير على نفسه وجوارحه عليه شواهد، أغلق على نفسك باب الغرفة وأحكِم الغلق وأتقن الغلق، وفُتِحَ التلفزيون أمامك على أي قناة شئت؛ أول مَن يشهد عليك جوارحك، عينك التي نظرت بها تشهد عليك، {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ} [البلد 8، 9].
رجلك التي مشيت بها إلى الزحام تشهد عليك، يدك التي مددتها إلى الحرام تشهد عليك؛ بل وفرجك يشهد عليك، وهو المعني بالجلود عند الأكثرين في قوله تعالى: {
وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [فصلت: 21].
فهذا الأصل الأصيل أن الله يرانا، لابد وأن نتعلمه تعلمًا جيدًا وأن نعلمه أبناءنا في الابتدائي وفي الإعدادي وفي الحضانات وفي الجامعات وفي كل وقت، لأن القرآن مُلئَ بآيات تحث على هذا المعنى، الله بصير بالعباد، الله سميع، الله عليم، يعلم ما تفعلون، آيات لا يكاد الحصر يأتي عليها تذكر بهذا الأصل.
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: «
يقول العبد يوم القيامة: يا رب، ألم تجيرني من الظلم؟»، يعني أنت لا تظلم، «فيقول الله له: بلى، أجرتك. يقول: إذن أنا لا أقبل على نفسي إلا شاهدًا من نفسي»، يعني لا يقبل شهادة مَلَك، ولا شهادة جار، ولا أي شهادة، مَن تريده أن يشهد عليك؟ «يقول: أنا الذي أشهد على نفسي، فيُختم على فيه، فتنطق فخذه عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا»، وتتكلم فخذه بالذي أحدثه في دنياه، وتنطق اليد، اليد تشهد، الرِّجل تشهد، الجلد يشهد، كلٌّ يراه يتكلم ويشهد، فيقف مبهوتًا متعجِّبًا قائلًا: سحقًا لكنَّ وبعدًا لكنَّ، عنكن كنت أناضل، عنكن كنت أدافع، {وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [فصلت: 21].
وبعد أن قال سبحانه: {
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ} [الشورى: 25].
استغفروا أيها الإخوة وليكن لكم ود من الاستغفار يوميّ كرسولكم الأمين، سبعين مرة في المجلس الواحد «
رب اغفر لي وتب عليَّ إنك أنت التواب الغفور»، به تُدفع عنك البلايا والنقم، {وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33]، به تُستدرُّ الأرزاق والنِّعم، {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح 10 - 12].
ثم يقول تعالى: {
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ} [الشورى: 26]، يستجيب هنا بدخول السين عليها لا تعني الطلب كسئر الأفعال، إنما هو {وَيَسْتَجِيبُ} بمعنى يُجيب.
قال فريق من المفسرين: ويجيب الله الذين آمنوا عملوا الصالحات.
{
وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ}، ما معناها؟ أنت تسأل مسألة يُعطيك الله مسألتك ويزيدك عما طلبت، يُعطيك أكثر مما طلبته منه.
فأم موسى -عليه السلام- لما حملت بموسى، أكبر ما كانت تتمناه أن يُسلم الله لها وليدها من شفار الذبَّاحين ومن المواسي والسكاكين، أكبر شيء كانت تتمناه، ولكن سلَّم الله ولدها، وتربى في بيت فرعون، وهي التي ترضعه في مأمن وتأخذ الأجرة على ذلك والهدايا والإتحافات بسبب ذلك، وتشفع في بني إسرائيل فتُقبل شفاعتها فيهم، وأُنزلت منزلة كريمة، {
إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7].
فتسأل الله شيئًا؛ يعطيك أفضل من الشيء الذي سألته، إذا كنت مؤمنًا عاملًا من الصالحات مستقيمًا على أمر الله. هذا الوجه الأول.
{
وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: 26]، ولكن قد تأتي أنت وتقول: الله يقول: {وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ}، وأنا دعوت بالرزق الواسع الكبير، دعوت الله أن أكون مليونير؛ فلِمَ لم يعطني المليون الذي دعوت ربي به؟
فيقول تعالى بعدها مذكرًا: {
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى: 27]، الله أعلم بك -سبحانه وتعالى-، قد يعطيك المال فتطغى، وهذا أكثر ما يكن {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق 6، 7]، هل تظنون ان فيكم شخص -فيما يسمونه في لغة العصر- مليونير أو ملياردير جلس معنا؟ لن يجلس معنا أبدًا في مثل هذه المجالس، لهم مجالس أخر، فالحمد لله الذي منَّ علينا بالإيمان ومنَّ علينا بالإسلام، {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ}.
كذلك قال تعالى: {
ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ} [الزمر: 8]، وكما قال: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق 6، 7]، أي إن رأى نفسه مستغنيًا بدأ في الطغيان.
فكن راضيًا قنوعًا برزق الله، نعم اسأل الله الرزق، لكن هو يعلم وانت لا تعلم، هو يعلم هل أنت من الصنف الذي إذا سعى عليه شكر أم انك من الصنف الذي إذا وسِّع عليه كفر، فالله أرحم بك، {
أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الملك: 14]، ادعُ الله بسعة الرزق، اسأل الله ذلك، لكن كن راضيًا بقسمة الله التي يقسمها الله -سبحانه وتعالى- لك، فهو يعلم وأنت لا تعلم.
قال الله سبحانه: {
وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} [الشورى: 27].
ثم يقول تعالى في كتابه الكريم: {
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا} [الشورى: 28]، من بعد ما يئس الناس من رحمة الله ينزل الغيث، ولعلكم لا تعرفون فائدة الغيث كما يعرفه أهل البوادي وأهل الزراعات، فترى الفلاح هنالك في البدية ليس له ماء يسقي به الأرض إلا ماء السماء بإذن الله، فيبذر البذرة، إذا تأخر نزول المطر جاع العيال، ضعفت البهائم، تلفت المواشي، إذا نزل المطر في اليوم التالي؛ اخضرَّت الأرض، أكلت الماشية، درَّت لبنها، أكل وشرب هو وأهل بيته، فأنت لا تكاد تعرف فائدة ذلك إلا إذا لمسته بيديك.
قال تعالى: {
وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [الشورى: 28]
{وَمِنْ آيَاتِهِ} [الشورى: 29] الدالة على قدرته والدالة على وحدانيته {
خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ}، من آيات الدالة على قدرته: هذه السماوات، وتلك الأرض، والدواب التي تدب فيها، انظر إلى عالم النمل، انظر إلى النحل، انظر إلى الفأرة وهي تلد وكيف تأخذ وليدها وترضعه وتطعمه وتسقيه، انظر إلى الوحش الكاسر الأسد وابنه بجواره رفع حافره عنه، أُمَمٌ أمثالنا، ما فرط الله في الكتاب من شيء.
قال تعالى: {
وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ} [الشورى: 29]، كل هذه الخلائق في الوقت الذي يشاء قدير -سبحانه وتعالى-، وستجتمع كل هذه الخلائق يوم القيامة الذي هو يوم الجمع كما سمَّاه الله سبحانه.
ثم يبيِّن الله سبحانه أصلاً عظيمًا: {
وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]، لم يؤاخذكم بكل ما صدر منكم، ولكن يؤاخذكم ببعض ما صدر منكم {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ} أي مصيبة كانت، {فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}، وإلا فإن أبا أيوب الأنصاري نظر إلى دملة في يده، فلما رآها قال: استغفر الله، استغفر الله.
قال قائل: لماذا تستغفر يا أبا أيوب من الدملة؟
قال: وما يدريني، فإن الله قال:{
وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ}.
فدومًا الابتلاءات -إلا أهل الصلاح إذا أراد الله رفعتهم- الابتلاءات تكون بسبب مصائب.
وفي الآية الأخرى التي يفهمها البعض على غير وجهها: {
ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الأنفال: 53]، من معانيها وهو المعنى الذي عليه الجهور: إن الله لا يحول نعمته على العبد إلى نقمة إلا إذا حوَّل العبد حاله من طاعة إلى معصية، فإذا حوَّل العبد حالته من طاعة إلى معصية تحوَّلت النعمة إلى نقمة لصالح العبد نفسه حتى يستغفر وحتى يرجع إلى الله وحتى يتوب إلى الله.
فلذلك تُسلط البلايا على العباد لإرجاعهم إلى طريق الله، {
فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ} [الأنعام: 42]، وقال: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ} سنوات الشدة، {وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ} لماذا؟ {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف: 130]
وقال: {
وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ} [الأعراف: 94]، فكلها لإرجاعك إلى طريق الله بعد بعدك عن طريق الله إذا كنت في الأصل مستقيمًا، فكما قال تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ} [النساء: 147].
إن الحسن البصري يقول: "والله إني لأعرف ذنبي ومعصيتي في خلق زوجتي، وفي خلق دابتي". كيف ذلك أيها الإمام؟ كيف ذلك؟
قال: أعمل المعصية، أدخل على الزوجة ما صنعت معها إلا المعروف، إذا بلسانها حاد، إذا بمشكلة تُختلق في البيت ليس لها وجه، ولكن سبب المشكلة ذنبي الذي صنعته، أركب دابتي فإذا بالدابة تنفر مني، أوجهها يمينًا تأتي شمال، بسبب ذنوبي، والله يقول: {
وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [الشورى: 30]، سبحانه وتعالى.
فلذلك استغفر الله حتى تصرف عنك المصائب لما سمعته من الآية: {
وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [الأنفال: 33].
تمر الآيات ثم يقول تعالى في آيات تلت هذه الآيات: {
فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [الشورى: 36]، كل شيء أوتيتموه فهو متاع وزائل.{خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}.
يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم: «
يؤتى بأبأس رجل في الدنيا فيصبغ صبغة في الجنة ويُقال له: يا ابن آم، هل وجدت بؤسًا في حياتك قط؟ يقول: لا والله يا ربي ما وجدت بؤسًا في حياتي قط. ويؤتى بأنعم رجل في الدنيا يُصبغ صبغة في النار، يقال له: يا ابن آدم، هل وجدت نعيمًا في حياتك قط؟ يقول: لا والله يا ربي ما وجدت نعيمًا في حياتي قط»، بل وليس هذا في الآخرة فحسب؛ بل عند الاحتضار في بدايته يذكرنا الله بآيات عدَّة: {ولو تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ} أي لرأيت أمرًا منكرًا بشعًا {وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ} أي بالضرب، {أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93].
وفي الآية الأخرى يتكرر نفس المعنى: {
وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ} [الأنفال: 50]، يعني إذا رأيت هذا المنظر ما طابت لك حياة، المحتضر بأى وهو كافر مجرم، الملائكة تستقبله بماذا؟ ضرب على الوجه وضرب في الخلف، {الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ} [الأنفال: 50]. هكذا عياذًا بالله.
{
فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} أي متاع زائل، {وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الشورى: 36].
ولذلك فهم هذا المعنى أهل الفضل وأهل العلم كعمر بن عبد العزيز الذي تزوج فاطمة بنت عبد لملك، أبوها خليفة، أخوها خليفة، جدها خليفة، وجاء زوجها أيضًا خليفة، هي التي يقولون عنها:
أخت الخليفة والخليفة جدها ** بنت الخليفة والخليفة زوجها
يقول عمر وكان في صباه كسائر الشباب، لكن منَّ الله عليه بالهداية، كان في صباه كسائر الشباب إذ كان أميرًا على مدينة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وكان قد فعل أمرًا كلما ذكره يبكي بكاءً شديدًا، كان قد سجن مصعب بن الزبير أخو عبد الله بن الزبير، فمات في السجن من شدة البرد، فكان كلما أثنى عليه شخص وهو خبيب، يقول: "مَن لي بخبيب، مَن لي بخبيب".
الشاهد: أن عمر بن عبد العزيز لما تولى الخلافة وسار في طريقه طريق الرشاد يصعد يذكر الناس بآية أو بآيتين، فكان مما ذكَّر به ونزل، قول الله سبحانه: {
أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ} [الشعراء 205- 207]، معنى الآية قد تقرأه أنت ولا تدري ما معناها، ولكنه درى معناها لأنه مُتِّع -رضي الله عنه- سنوات، مُتِّع سنوات وفي ختام الحياة يقول: {أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}، فالمعنى: هب أنك يا ابن آدم طيلة حياتك تلبس ما تشاء، تأكل ما تريد، تتزوج كل امرأة تحبها، تسكن في أحسن البيوت والفيلل والعمارات، تركب أحسن السيارات، تتقلد أعلى المناصب، لم تُصَب بالصداع قط، لم تدخل في رجلك شوكة في حياتك قط، لم تشتكِ بطنك أبدًا، وبعدها جاءك الموت، هل انتفعت بشيء؟
{
أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ * مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ}، فهكذا فهم الحياة على طبيعتها، كما فهمها أهل الفضل والصلاح، فلما رأى سليمان -عليه السلام- عرش ملكة سبأ مستقرًا عنده قبل أن يرتد إليه طرفه؛ فهم الحقيقة التي غفل عنها الكثيرون: {هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي}[النمل: 40]، ليختبرني، {أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} [النمل: 40].
فهمها أيضًا يوسف الصديق -عليه السلام- لما جمع الله عليه شمله وأتى إخوته من بلاد كنعان إلى مصر وهو يقول وقد رأى شمله اجتمع وهو في منصب ووجاهة، عرف أن الدنيا آذنت بانصرام ورحيل، فإنها ما دامت لأحد من قبله، فقال ذاكرًا الرهط المبارك الكريم من الأنبياء: {
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101]، اشتاق إلى الآباء والأجداد، إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق -عليهم السلام- اشتاق إليهم وإلى لقائهم وأراد أن يلحق بركبهم المبارك، ركب الصالحين، حتى يُتبع في الدنيا رحمات ودعوات، لا يُتبع كما يُتبع أئمة الضلال باللعنات، قال: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ} [يوسف: 101].
هذا المعنى فهمه من علمائنا المعاصرين الشيخ محمد بن عثيمين -رحمة الله عليه- وفي مرض الموت وهو يذكر ما كان منه في دنياه، وعلى وجه السرعة يقول: {
يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ} [الإنشقاق: 6]، قد عملت أعمالًا كثيرة في دنياك يا أيها الإنسان، وأنت اليوم ستموت وستلقى كدحك الذي كدحت، وعملك الذي عملت.
قال تعالى: {
فَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [الشورى: 36]، وكما قال: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا} [الكهف: 46]، والتي منها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. يأتيك توابعها في جنات النعيم هدايا وإتحافات، تسأل ما هذا؟ هذا ثواب الباقيات الصالحات يُدرُّ عليك صباح مساء.
قال تعالى: {
وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ} [الشورى: 37]، ثم قال تعالى: {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} [الشورى: 37]، يعني إذا ما غضبوا لا ينتصرون؛ بل حلماء، إذا ما أغضبهم شخص وحملهم على الانفعال الزائد يأتي يهم بالانتصار إذ يقول: سامحك الله، سامحك الله، عفا الله عنك.
{
وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ}، هكذا إذا أغضبهم شخص لم يبادروا بالانتصار؛ بل صبروا، ومن أعظم ما تُرفع به الدرجات الصبر، وفي الحديث: «ما أعطي العبد عطاءً خيرًا ولا أوسع من الصبر»، {وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ}.
وهكذا لتكن معيشتنا في بيوتنا، أحيانًا مشكلة تكون في البيت بينك وبين زوجتك، إن قلت لها: عفا الله عنك حُلَّت المشكلة. إن لم تقلها تطورت المشكلة تطورًا زائدًا.
أذكِّر بمثالٍ عارض: أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- كان عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأرسل أضيافًا له مع ابنه عبد الرحمن، قال: يا عبد الرحمن عشِّ هؤلاء الأضياف، أخذ عبد الرحمن بن أبي بكر الأضياف وذهب إلى أمه في البيت، يا أمي عشِّيهم، فصنعت زوجته الطعام -أم عبد الرحمن زوجة أبي بكر- صنعت طعامًا جيدًا وقرَّبته مع ولدها عبد الرحمن للضيوف، الضيوف تأدبوا وقالوا: لن نأكل حتى يأتي ربُّ البيت، عبد الرحمن يعرف والده حاد، أبو بكر يغضب إذا انتهكت المحارم، ويغضب إذا قُصِّر في حق الضيف، قال: أبي سيأتي ينال منَّا، كلوا.
قالوا: ما نحن بآكلين إلا إذا جاء رب البيت.
أصر عبد الرحمن وأصروا، امتنعوا، جاء أبو بكر متأخرًا، ابنه يعرف خصال والده، فاختبأ عن والده في مكان في البيت، فجاء أبو بكر لزوجته، قال لها: ما عشيتِ الأضياف؟
قالت: قربنا إليهم الطعام فأبوا أن يأكلوا. فقال بكِ وبكِ، واشتدَّ على زوجته شدَّة بالغة، بكِ وبكِ وبكِ، ونال منها أشدَّ النيل، سكتت زوجته.
أين عبد الرحمن؟ عبد الرحمن ساكت ومختفٍ في جحر في البيت، أين عبد الرحمن؟ اخرج يا غنثر -كلمة مسبة- يا مَن بك وبك، واشتدَّ في الكلام شدة بالغة، وعبد الرحمن مختفٍ لا يرد أبدًا، فقال أبوه: أقسمت عليك بالله إن كنت تسمع صوتي أن تخرج الآن.
فلم يجد الولد بدًّا من الخروج، فنال أبوه منه نيلًا شديدًا، قال: يا أبي قربنا إليهم الطعام فأبوا، تعالَى اسألهم، دخل يسألهم فقال: كلوا. قالوا: كُلْ، نحن انتظرناك. قال: والله ما أنا بآكل.قالوا: والله ما نحن بآكلين حتى تأكل.
أقسم وأقسموا. قال: كلوا لا هنيئًا، يعني بالمعنى الدارج: لا بارك الله لكم.
فابتسموا وقالوا: والله ما نحن بآكلين حتى تأكل.
حينئذٍ تذكر أن هذا الصنيع كله من الشيطان، قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وسم الله، وأكل وأكلوا، وكان مشهورًا لا يحنث في يمينه، إذا حلف لابد أن ينفذ، حتى قال القائل فيه:
قليل الألايا حافظ ليمينه ** وإن صدرت منه الألية برت
ولنا في هذا سلف صالح، {
قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [يوسف: 92].
قال تعالى: {
وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ * وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ} [الشورى 37، 38]، سمعوا وأطاعوا لله وأقاموا الصلاة.
{
وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، وهذا مطلب عزيز، أمرنا ينبغي أن يكون شورى بيننا، المسجد له إدارة يستشير بعضهم بعضًا، الشورى فيها بركة، وإذا كان الرسول محمد -عليه الصلاة والسلام- وهو سيد ولد آدم يُؤمر بذلك {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159]، تخيل أن هنا مشكلة تهم المسجد، وجمعت إخواني، ما رأيك يا شيخ جمعة في المسألة، ما رأيك يا شيخ سيد في المسألة، ما رأيك يا والد في المسألة، واتفقنا على رأي وأصدرنا قرارًا مشتركًا، التخطئة ستكون إذا وجه شيخًا لومًا عليَّ هم سيدافعون عنِّي، وفي المشورة بركة، ونفوسهم ستكون طيبة.
قال تعالى: {
وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، ولذلك لابد أن تكون المشورة مشورة الفضلاء أهل الخبرة وأهل الصلاح ربنا يبارك فيها، كان عمر له أهل مشورته، مجلس شورى، لكن انتقاهم من الخبراء من حملة كتاب الله -عز وجل.
فلذلك لما انتقاهم من هذا الصنف أسوق مثالًا لانتفاعه بذلك: كان هنا رجل يُقال له الحر بن قيس، شاب عاقل في مجلس الشورى، حافظ للقرآن، ولهم عم يقال له عيينة بن حصن الفزاري، فقال عمه: يا حر أنت من مشورة عمر لك وجه عنده، استأذن لي أدخل عليه.
فذهب الحر إلى عمر وقال: عمي يستأذن للدخول عليك يا أمير المؤمنين.
قل: تفضل ادخل، لا بأس.
دخل عيينة بن حصن، وكان رجلًا جِلفًا جافيًا من المؤلفة قلوبهم، أول ما دخل قال: يا ابن الخطاب -على لغة البدو- إنك لا تحكم بيننا بالعدل، ولا تعطينا الجزل -لا تعطينا إلا الفتات المتبقي منك ومن أسرتك ومن حاشيتك-
طيب قل: سلام عليكم، قبل أن تدخل قل: سلام عليكم. ما قال السلام عليكم؛ بل هجم هذا الهجوم.
قال: يا ابن الخطاب إنك لا تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل.
همَّ عمر أن يبطش به، فقال له الحر بن قيس: يا أمير المؤمنين إن الله يقول: {
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: 199]، والله هذا من الجاهلين يا أمير المؤمنين.
قال الراوي: كان عمر وقَّافًا عند كتاب الله، والله ما تجاوز الآية. وقف، بعد أن همَّ بالبطش توقف عند كتاب الله.
فمجلس الشورى طيب، كل مجموعة في عمل تستشير بعضها بعضًا تيمُّنًا وتبرُّكًا بهذا المجلس، وبامتثال أمر الله {
وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38].
تخيل أن رسولك محمد سيد ولد آدم في حديث الإفك يستشير جارية أمة بريرة، يا بريرة ماذا رأيتِ يا بريرة من عائشة -رضي الله عنها؟ ويستشير أسامة بن زيد، ويستشير علي بن أبي طالب، وهو أفضل منهم جميعًا -عليه الصلاة والسلام.
قال تعالى: {
وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} [الشورى: 38]، وأيضًا -يا إخواني- نفعهم متعدٍّ، وليس نفعهم قاصر على أنفسهم.
{
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الشورى: 38]. قال -صلى الله عليه وسلم: «ثلاث أقسم بالله عليهن: ما نقصت صدقة من مال، وما تواضع عبد لله إلا رفعه، وما زاد الله بعبدٍ عفوًا إلا عزًّا».
ثم يقول تعالى في آية قلَّ ان يوجد مثلها في المعنى، لكن معناها تدل عليه عمومات أخر: {
وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 39]، هذه الآية الكريمة ما معناها؟ {وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ
يعني أحيانًا أنت تخطئ فيَّ أقول: سامحك الله، تخطئ في غيري، يقول: سامحك الله. فلما رأيت الناس يقولون: سامحك الله، عفا الله عنك؛ تطور الخطأ، بدلًا من السباب إلى ضرب، بدلًا من الضرب إلى سلبٍ ونهب، واستطار شرُّك، فهذه الحال لابد من وقفة، هنا: {
وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ}، لابد من وقفة لوقف العدو الصائل الذي صال وجال.
وهنا أذكّر بآيات من سورة البقرة، وإن كان الأثر فيها لم أقف على إسناده لكن ساقه بعض المفسرين: أن عمر كان إذا صلى الفجر جمع حملة القرآن من الصحابة وجلس معهم، فيقرأ قارئ ومفسر يفسر، وكان معهم في المجلس شاب صغير وهو ابن عباس، بعض الصحابة يقولون: لماذا تدخله معنا، فيقول: ابن عباس دعا له الرسول -عليه الصلاة والسلام.
فالمهم، القارئ بدأ يقرأ آيات من سورة البقرة وهي قوله تعالى {
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ} يقول: أشهد الله على كذا -وهو كذاب- تقول له: يا أخي أنت أخذت كذا. يقول: أشهد الله ما أخذت، دائمًا يشهد الله على ما في قلبه {وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ} [البقرة: 204]، أشد الناس فُجرًا في خصومته.
{
وَإِذَا تَوَلَّى}[البقرة: 205] فيها معنيان:
- إذا أصبح أميرًا وليًّا.
- الثاني: إذا خرج من عندك وانصرف.
{
سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ}[البقرة: 205]، يقتل هذا، يسمم بهائم هذا، يحرق زرع هذا.
{
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ} [البقرة 205، 206]، الناس تذكره بالمعروف.
{
أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة: 206]، القارئ يقرأ وعمر جالس والصحابة جلوس، القارئ يقرأ وابن عباس منصت تمامًا للآيات، وعمر يراقب تصرفات ابن عباس، ينظر إليه كيف يفكر ابن عباس، عمر يراقب حركات ابن عباس، وابن عباس ساكت يفكر، {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ «204» وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ «205» وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ} [البقرة 204 -206]، فقرأ القارئ: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ} [البقرة: 207]، فلما قرأها ضرب ابن عباس بسرعة على فخذه ضربًا شديدًا وقال: اقتتلا والله.
فعمر تعجب، الكلمة خرجت من ابن عباس مع الحركة دون ترتيب.
قال: "اقتتلا والله، اقتتلا والله"، فعمر يقول له: ماذا قلت يا ابن عباس؟
فرجع إلى حيائه في حضور الكبار وسكت.
قال: ماذا قلت يا ابن عباس؟ سكت حياءً وخجلًا.
قال: أقسمتُ عليك يا ابن عباس أن تقول لي ماذا قلت.
قال: يا أمير المؤمنين قلت: اقتتلا.
قال: مَن اللذان اقتتلا.
قال: اقتتلا -يعني شيء معروف.
قال: أخبرني مَن الذين اقتتلا.
قال: يا أمير المؤمنين هذا رجل خرج يسعى في الأرض بالفساد، يحرق الحرث ويقتل النسل، يُذكَّر فلا يتذكَّر، وماشي في طريق الشر، فلما رأى مؤمن ذلك باع نفسه لله وقام يصد هذا العدو الصائل، فحصلت المعركة، فهذا قولي "اقتتلا" يا أمير المؤمنين، هذا شرى نفسه ابتغاء مرضات الله، وهذا تولى وسعى في الأرض ليفسد فيه ويهلك الحرث والنسل.
قال عمر: لله درُّك يا ابن عباس.
بركة كلام رسول الله تظهر في مثل هذا.
فالعدو الصائل لا يسكت إلا بزجر، قال تعالى: {
وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ} [الشورى: 39]، ولكن هل انتصار مطلق أو مقيد؟
لا، {
وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، قُتل لك قتيل، لا تقتل غير القاتل، لا تقل اثنين بالواحد، {أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى * أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم 36 – 39]، فلا تأخذ أبًا بجريمة ولده، ولا تأخذ عمًّا بجريمة الولد، فالجاني يُعاقب على قدر جنايته، {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40].
وفي تفسير قوله تعالى: {
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33]، قالوا: الإسراف في القتل أن تقتل غير القاتل، أو تقتل الاثنين بالواحد، أو تمثِّل بالمقتول. ثلاث صور للإسراف في القتل، اتقِها وستنصر، واتقِ هذه الأشياء ستنصر، لا تقتل اثنين بواحد، لا تقتل غير القاتل، كذلك لا تمثل بالمقتول، {فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا} [الإسراء: 33].
قال تعالى:{وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]. لذلك يذكر بعض الطرفاء: واحد قال للآخر: يا ابن كذا. قال له: أنت ابن ستين كذا. قال: عيك تسعة وخمسين مظلمة، هو قال لك يا ابن كذا، قل له إذا أردت الانتصار مثلها، لكن لوقلت: أنت ابن ستين كذا وألف كذا، عليك تسعة وخمسين أو تسعمائة تسعة وتسعين تعود عليك.
{
وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ} [الشورى: 40]، العفو له موطن والانتصار له مواطن، شخص زلت قدمه وضرب ولدك ضربة فمات وليس بينكما عداوة يختلف عن شخصٍ قتَّال يمشي في البلاد يقتل هذا ويسفك دم هذا، ويزني بهذه، ويغتصب تلك، فالمقامات تختلف.
قال تعالى: {
فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} [الشورى 40، 41]، ليس هناك وجه تلومهم فيه.
{
إِنَّمَا السَّبِيلُ} سبيل اللوم {عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى 42، 43]، أي من الأمور التي لا يرقى إليها إلا أصحاب العزائم من الرجال الفضلاء أهل الصلاح، جعلنا الله وإياكم من أهل الفضل الإحسان.
بارك الله لنا ولكم في كتبه وسنة رسوله. اللهم آمين.
وجزاكم الله عنا كل خير.

   طباعة 
4 صوت
التوبة , كنوز , وهو , يقبل , كنز , الجنة , عبادة , الذي
التعليقات
روابط ذات صلة
روابط ذات صلة
الدرس السابقة
الدروس المتشابهة الدرس التالية
جديد الدروس
جديد الدروس
مواقع التواصل
Powered by: MktbaGold 6.4