فضل القرآن الكريم وأسباب الفلاح
الحمد لله الذي لم يتخذ ولدًا ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له وليٌّ من الذل، ولا إله إلا الله والله أكبر.
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا * قَيِّمًا لِّيُنذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِن لَّدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا * مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا * وَيُنذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا * مَّا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا [الكهف: 1-5]
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يُعز ويُذل، ويُكرم ويُهين، ويَخفضُ ويَرفعُ، ويُضحك ويُبكي سبحانه وتعالى، كل يوم هو في شأن، يرفع أقوامًا ويخفض آخرين، يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء، يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل سبحانه وتعالى، أمات وأحيا. له الخلق والأمر، يقضي في خلقه بما يشاء، ويفعل في خلقه ما يريد.
أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ [النمل: 62]
وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله، أرسله الله بين يدي الساعة بالحق بشيرًا ونذيرًا، صلوات ربي وسلامه عليه. نسأل الله أن يُكرم منزلته، وأن يؤتيه الوسيلة والفضيلة، وأن يبعثه مقامًا محمودًا الذي وعده.
وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: 4]
جعلنا الله وإياكم من أتباع هذا النبي الكريم، ومن الواردين على حوضه، اللهم آمين.
دروس من الأحداث والمصائب
أيُّها الإخوة، تعلمون أن الحوادث التي تمرُّ بنا والمصائب التي تحلُّ بنا يلزم منها أن نرجع إلى طريق الله سبحانه وتعالى. فإذا قرَّبتنا الحوادث من الله فهي حميدة وطالعها مبارك، وإذا صرفتنا عن ذكر الله فهي شؤم وبلاء.
وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ [الأعراف: 94]
أحيانًا تحلُّ بنا الشدة لإلجائنا إلى التضرع إلى الله. وكذلك قال تعالى:
وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ [الأعراف: 130]
الطغيان يُنسينا شكر الله والاستقامة على طريقه:
كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى [العلق: 6-7]
فإذا استغنى الإنسان بدأ في الطغيان والكبر، فتحلُّ به الابتلاءات لإظهار ضعفه وعجزه حتى يرجع إلى الله ويتواضع.
أسباب السعادة والفلاح
ينبغي أن نبحث عن أسباب السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة، فالحياة الدنيا متاع قليل:
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ [الرعد: 26]
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يؤتى بأنعم رجلٍ كان في الدنيا فيُصبغ صبغة في النار فيُقال له: يا ابن آدم هل وجدت نعيمًا في حياتك قط؟ فيقول: لا والله يا رب». وقال: «يؤتى بأبأس رجل كان في الدنيا، فيُصبغ صبغة في الجنة فيُقال له: يا ابن آدم، هل وجدت بؤسًا في حياتك قط؟ فيقول: لا والله يا رب».
فلنمهِّد لأنفسنا في آخرتنا:
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [الحشر: 18]
وقال تعالى:
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [الأعلى: 14]
قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا [الشمس: 9]
الفلاح هو الفوز بالمطلوب والنجاة من المرهوب، وأعظم المطلوب رضى الله ودخول الجنة، وأعظم المرهوب سخط الله والنار.
صفات المؤمنين الفالحين
يقول الله تعالى:
قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ [المؤمنون: 1-2]
أول أسباب الفلاح الخشوع في الصلاة. ومن أسباب الخشوع:
- الدعاء: «اللهم إني أعوذ بك من قلبٍ لا يخشع، وعلم لا ينفع، وعينٍ لا تدمع، ودعاءٍ لا يُسمع، ونفسٍ لا تشبع».
- إفراغ الذهن والبال عند الصلاة، والإقبال عليها دون انشغال بالجوع أو غيره.
- إبعاد كل ما يشغل عن التدبر، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم عندما أمر بإزالة القرام ذي التصاوير.
ثم قال تعالى:
وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ [المؤمنون: 3]
اللغو هو كل قول أو عمل لا فائدة فيه. المؤمن يعرض عن اللغو ولا يتكلم إلا بالنافع:
وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا [الفرقان: 72]
وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ [القصص: 55]
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت». فإذا لم تتأكد من خير الكلام، التزم الصمت.
حتى الأنين من المرض يُكتب، كما قال الإمام أحمد بن حنبل بعد أن سمع قول طاووس: «إن الأنين يُكتب» لقوله تعالى:
مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ [ق: 18]
فاستبدل الأنين بالحمد لله، فإنها من الباقيات الصالحات:
وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ مَرَدًّا [مريم: 76]
زكاة النفس والمال
قال تعالى:
وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ [المؤمنون: 4]
الزكاة نوعان:
- زكاة النفس: بتلاوة القرآن، الاستغفار، رد المظالم، استماع المواعظ، والتفكر في آيات الله.
- زكاة المال: أداء الزكاة المفروضة، فالبخل بها كبيرة من الكبائر.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاته إلا صُفِّحت له صفائح من نار يُكوى بها». وقال: «ما من صاحب مالٍ لا يؤدي زكاته إلا مُثِّل له ماله شجاعًا أقرع».
وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ [آل عمران: 180]
أتبعوا الزكاة المفروضة بصدقة النفل:
وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [سبأ: 39]
ومن يسر على معسر يسر الله عليه، ومن فرَّج عن مسلم كربة فرَّج الله عنه كربة يوم القيامة.
التعاون في الشدائد
في وقت الشدائد، ينبغي التعاون على البر والتقوى:
لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق: 7]
قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان عنده فضل زادٍ فليَعُدْ به على من لا زاد له». ففي أوقات الأزمات، ابذل من مالك الزائد عن حاجتك:
فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ [البلد: 11-14]
فاستمسكوا بكتاب الله وسنة رسوله، وكونوا على حذر من اللغو والخوض فيما لا ينفع، واجتهدوا في تزكية أنفسكم وأموالكم، وتعاونوا على البر والتقوى، فإن ذلك من أسباب الفلاح في الدنيا والآخرة.