تفسير آية {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} وحكم التكبر والتواضع
[مقدمة: ذم الكبر وفضل التواضع] ليس من تكبر على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كمن تكبر على البشر، وكلٌ له مراتب ودرجات في الإثم. وفي ذم الكبر قال الله تعالى: {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} [النحل: 23]، وقال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: “لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر”.
وفي المقابل جاءت نصوص متعددة تحث على التواضع وتنهى عن الكبر، قال تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]. وقد جوزي قارون جزاءً يستحقه لما خرج على قومه في زينته وهو يقول: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي}، وجوزي فرعون أسوأ الجزاء على تكبره وقوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ}، وقوله: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي}. وهكذا يجازى المتكبرون دائمًا؛ فالله لا يحبهم ولا يرضى صنيعهم.
[تواضع الأنبياء وهدي النبي صلى الله عليه وسلم] كان التواضع مسلك الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، فهم يسلكون مسلك التواضع ويحثون أممهم عليه. وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أشد الناس تواضعًا، رغم كونه سيد ولد آدم. فكان الآتي إلى المسجد يسأل: “أيكم محمد؟” فيقولون: “هذا الرجل الأبيض المتكئ”. وقد قال الصحابي الجليل: “رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يرمي جمرة العقبة، لا ضرب ولا طرد ولا (إليك إليك)”؛ أي لا يطرد الناس عنه، بل يرمي كما يرمي سائر الناس. وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- ينام على الحصير حتى يؤثر في جنبه، فقال له عمر: “يا رسول الله، ألا تدعو الله أن يوسع عليك؟ فقد وسع على الفرس والروم وهم يعبدون غير الله!”، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “أفي شك أنت يا ابن الخطاب؟ هؤلاء قوم عُجّلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا”.
[نصوص نبوية في الحث على التواضع] تتوالى النصوص المثبتة لهذا الخلق الكريم، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: “ما تواضع أحد لله إلا رفعه”. ولما جاء المشركون يقولون للرسول -صلى الله عليه وسلم-: “هؤلاء الضعفاء -يعنون فقراء الصحابة- يجترئون علينا، فاطردهم حتى نجلس معك”، نزلت الآية: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ۖ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِم مِّن شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 52].
وكذلك عوتِب الرسول -صلى الله عليه وسلم- لما جاء وجهاء قريش فأولاهم اهتمامًا أكبر من اهتمامه بضعيف من الأمة، وهو عبد الله بن أم مكتوم، الذي جاء يقول: “يا رسول الله علمني مما علمك الله”، والرسول مقبل على وجهاء قريش يرجو إسلامهم، فنزلت: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ * أَن جَاءَهُ الْأَعْمَىٰ * وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَىٰ} [عبس: 1-4].
[صور مشرقة من تواضع النبي] كان النبي -صلى الله عليه وسلم- مثالاً للتواضع؛ فكانت الأمة (الجارية) التي في عقلها شيء تأتي إليه أحياناً وتأخذ بيده، فيقول لها: “يا أم فلان، انظري أي السكك شئتِ حتى أقضي لك حاجتك”، ويقف معها. وكان يسلم على الصغير والكبير، ويلقي السلام على النساء ما حُلّ أمن الفتنة. ويشارك المسلمين في أعمالهم؛ يحفر الخندق معهم، ويبني المسجد معهم -صلى الله عليه وسلم-. كل ذلك وهو سيد ولد آدم. وقد نهى أصحابه أن يسلكوا سبيل المتكبرين، فعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: “كان بيني وبين رجل شيء، فقلت له: يا ابن السوداء. فقال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-: يا أبا ذر، أعيرته بأمه؟ إنك امرؤ فيك جاهلية.. إخوانكم خولكم (أي خدمكم) جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يطعم، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم”.
[تواضعه لربه وعبادته] كان النبي -صلى الله عليه وسلم- متواضعاً لربه، يخرج متبذلاً متواضعاً داعياً راجياً، ويقوم الليل حتى تتورم قدماه، فيقال له: “يا رسول الله، ألم يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟” فيقول: “أفلا أكون عبداً شكوراً؟”. فكان أشد الناس لله خشية ورهبة. وقد سجد ذات ليلة سجوداً طويلاً قرأ فيه نحواً من خمسين آية، فخر لربه ساجداً بعد أن كان قائماً.
[تفسير قوله تعالى: {كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا}] نُهينا عن التكبر في مواطن عدة، منها وصية لقمان لولده: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا} [الإسراء: 37]. ثم قال تعالى بعدها: {كُلُّ ذَٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا} [الإسراء: 38]. وكلمة “كل ذلك” تعود على المذكورات قبلها في سورة الإسراء، والتي تضمنت: النهي عن قتل الأولاد خشية إملاق، والنهي عن الزنا، والنهي عن قتل النفس، وأكل مال اليتيم، والأمر بإيفاء الكيل، والنهي عن القول بغير علم، والنهي عن الكبر.
وكلمة “مكروهاً” هنا لا تعني الكراهة الاصطلاحية عند الأصوليين (وهي ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله)، بل المكروه هنا بمعنى “المحرم”؛ لأن الزنا وقتل النفس لا ينطبق عليهما حكم الكراهة التنزيهية، بل هما من الكبائر. ومن هذا الفهم، التمس بعض العلماء العذر للإمام الشافعي حين نُقل عنه قوله في نكاح البنت المخلوقة من الزنا: “أكره ذلك”، فقالوا: لعله يقصد بالكراهة “كراهة التحريم” استناداً للغة القرآن في قوله تعالى: {كَانَ سَيِّئُهُ عِندَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا}. وإن كان بعض الشافعية قد دافعوا بتوجيهات أخرى، إلا أن الراجح عند الجمهور التحريم، والله أعلم.
[خاتمة] بهذا القدر نجتزئ، سائلين الله لنا ولكم التوفيق والسداد، وصلى اللهم على نبينا محمد وسلم، والحمد لله رب العالمين

