دمع العين بين خشوع القلب ونعمة الخالق
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واستنّ بسنته إلى يوم الدين، أما بعد:
كان من تعوّذات رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول:
«اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعاء لا يُسمع، ومن علم لا ينفع».
وهذا الدعاء النبوي يجمع أبوابًا عظيمة من أبواب صلاح العبد، ويكشف عن علاقة وثيقة بين خشوع القلب ودمع العين.
أولًا: دمع العين علامة على حياة القلب
قد يصعب على الإنسان أن يعرف هل قلبه خاشع أم لا، لكن ثَمَّ علامة ظاهرة تدل على رقته، وهي دمع العين. فالدمع أمر محسوس يُرى، ويُميَّز به بين القلب اللين والقلب القاسي. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من عين لا تدمع؛ لأن جمود العين دليل على قسوة القلب.
وقد دلَّت النصوص على ارتباط وجَلِ القلب بدمع العين، كما في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه:
«وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون».
فوجَل القلب أولًا، ثم انسكب الدمع بعد ذلك.
وكذلك قول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في شأن أبي بكر رضي الله عنه حين أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي بالناس، فقالت: «إن أبا بكر رجل أسيف، إذا قام مقامك لم يُسمع الناس من البكاء»، فدلَّ ذلك على أن رقة القلب تُثمر دمع العين.
ثانيًا: البكاء من خشية الله منقبة عظيمة
من أعظم ما يُرجى به العبد رحمة الله يوم القيامة دمعة تخرج من خشية الله، لا رياء فيها ولا سُمعة. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور:
«سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله…» وذكر منهم: «رجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه».
إنها دمعة خالصة، في خلوة بين العبد وربه، بعيدًا عن أعين الناس، تنبع من قلبٍ استشعر عظمة الله، وخاف مقامه، وتذكر تقصيره.
ثالثًا: أسباب رقة القلب وانهمار الدمع
سؤال الله والتعوذ من قسوة القلب
أول الأسباب أن يسأل العبد ربه أن يرزقه قلبًا خاشعًا وعينًا دامعة، فالله هو الذي أضحك وأبكى، وهو القادر على أن يُلين القلوب.
المحافظة على سلامة القلب
وذلك بكثرة الاستغفار، وردّ المظالم إلى أهلها؛ فبعض أوساخ القلب لا تزول بمجرد الاستغفار، بل لا بد من إصلاح ما فسد من حقوق العباد.
تلاوة القرآن بتدبر
قال تعالى:
﴿وإذا سمعوا ما أُنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق﴾.
فالقرآن إذا قُرئ بفهم ويقين أورث وجَلًا في القلب، ثم دموعًا في العين.
ومن أعظم الشواهد ما وقع للنجاشي حين تليت عليه آيات من سورة مريم، فبكى حتى اخضلت لحيته، وقال: «والله ما زاد هذا على ما قال عيسى بن مريم قِطميرًا».
سماع المواعظ الصادقة
النفس تحتاج إلى تعاهد بالموعظة بين الحين والآخر، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخول أصحابه بالموعظة مخافة السآمة. فالموعظة الصادقة المستمدة من كتاب الله وسنة رسوله تُحيي القلب بعد مواته.
تقليل الفضول
من فضول النظر، وفضول السمع، وفضول الكلام، وفضول الأكل، وفضول النوم؛ فإن كثرة الانغماس في الشهوات تُقسّي القلب، أما الاعتدال في كل شيء فيعين على صفائه.
زيارة أهل البلاء وعيادة المرضى واتباع الجنائز
رؤية المصائب تُلين القلوب، وتُذكّر بالآخرة، فيرق القلب وتدمع العين. وليس الخبر كالمعاينة.
رابعًا: الدموع نعمة من نعم الله
قال تعالى: ﴿وأنه هو أضحك وأبكى﴾.
فالضحك والبكاء كلاهما من نعم الله على عباده.
ومن الناحية الطبية، فإن الدموع ليست نوعًا واحدًا، بل تنقسم إلى:
دموع أساسية: تُفرز باستمرار لحماية العين وترطيبها.
دموع انعكاسية: نتيجة مهيّجات كالدخان والغبار.
دموع عاطفية: ترتبط بالحزن أو الفرح، ويصاحبها تغيرات هرمونية تؤثر في راحة النفس وتخفيف التوتر.
بل إن للدموع تركيبًا دقيقًا من طبقات ومواد تحمي العين وتغذيها، مما يدل على عظمة الخالق سبحانه، وأن كل قطرة دمعة آية من آيات قدرته.
خامسًا: بين دموع الحزن ودموع الخشية
ليس كل بكاء سواء؛ فهناك بكاء طبيعي عند المصائب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم عند وفاة ابنه إبراهيم:
«إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا».
لكن أعظم البكاء وأشرفه ما كان من خشية الله، في خلوة، مع صفاء قلب، وصدق توجه.
خاتمة
يا أيها القارئ الكريم، لا ندري من أي باب تأتينا رحمة الله:
أمن كلمة طيبة؟
أم صدقة خفية؟
أم دمعة صادقة في سجدة بين يديه؟
فلنحرص على سلامة قلوبنا، وكثرة ذكر ربنا، وتعاهد أنفسنا بالموعظة، لعل الله أن يرزقنا قلبًا خاشعًا، وعينًا دامعة، وعملاً متقبَّلًا.
ونسأل الله أن يجعلنا ممن إذا ذُكِّروا تذكَّروا، وإذا سمعوا الحق فاضت أعينهم من الدمع، وأن يختم لنا بالحسنى، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

