Generic selectors
Exact matches only
Search in title
Search in content
Post Type Selectors

موسى عليه السلام في بلاد مدين ـ الشيخ مصطفى العدوي تاريخ 23 6 2025

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه ومن دعا بدعوته واهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين. وبعد؛ فبدايةً يا أهل الإسلام، علينا أن نقنت في صلواتنا لعل الله أن يكشف الضر وأن يجيب المضطر وأن ينصر الإسلام والمسلمين. فالقنوت في الصلوات هو سبيلنا، والذي بيده الأمر كله هو الله سبحانه وتعالى. علينا أن نقنت في صلواتنا وندعو ربنا أن يكشف الضر عن بلادنا وعن بلاد المسلمين (اللهم آمين)، وأن يخذل أعداء الدين أينما كانوا وحيثما كانوا.

مع بعض الآيات من كتاب الله نستأنس بها، فنحن في أنس ما دمنا مع كتاب الله عز وجل، وما دمنا مع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

خروج موسى عليه السلام إلى مدين:

نحن مع موسى الكليم عليه السلام وهو في بلاد مدين. قدر الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السلام ما قدر، فقد خرج من بيت فرعون الذي تربى فيه، ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها. وتحول أمره وحياته، فقدر عليه أن يقتل نفساً لم يُؤمر بقتلها دونما قصد أو تربص، وكز رجلاً فقضى عليه.

الشاهد أن أمره آل إلى أن يترك بلاد مصر، وأن يخرج متجهاً إلى بلاد مدين. في كل مراحل رحلته كان عليه الصلاة والسلام معتصماً بالله سبحانه وتعالى، ومن اعتصم بالله فلن يضيع. حتى مع أنه قتل النفس بغير حق – وقُدر عليه ذلك تقديراً – قال: {رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ}.

خرج من البلاد قائلاً: {رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}. واتجه إلى بلاد مدين وهو يقول: {عَسَى رَبِّي أَن يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ}. فدوماً كان معتصماً بالله عز وجل لا يفارق ذكر الله ودعاءه. ولن تخيب يا عبد الله، ولن تخيبي يا أمة الله، إذا كنت مع الله عز وجل في دعاء ورجاء واستغفار وطلب للهداية والتوفيق.

الوصول إلى ماء مدين ولقاء الفتاتين:

وصل موسى عليه السلام إلى بلاد مدين، قال تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ}. وجد في بلاد مدين أناساً يسقون إبلهم وأنعامهم، ووجد من دونهم امرأتين تذودان؛ يعني تمنعان الإبل أو الأغنام من الوصول إلى المياه.

فسألهما: لماذا الناس يدفعون الإبل والبقر والغنم كي تشرب وأنتما تمنعان الأغنام والأنعام عن الشرب؟ {قَالَ مَا خَطْبُكُمَا}، وكلمة “خطبكما” كلمة عربية أصيلة وردت في كتاب الله في عدة مواطن، ومعناها “ما شأنكما”، وهي كلمة قوية استُعملت مراراً (كما قال موسى للسامري: {فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ}).

درس في الحياء ودفع الشبهة:

{قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ} فتاتان تعلمان نساءنا الأدب؛ لسنا من أهل الاختلاط بالرجال، لا نسقي حتى ينصرف الرجال وبعد ذلك ندخل دون اختلاط بهم. وهو أدب نتأدب به من كتاب الله عز وجل وتتأدب به نساؤؤنا، فالمرأة الحيية ليس من شأنها أن تخالط الرجال وتزاحمهم في مجالسهم.

ثم تعللت الفتاتان بعلة طيبة لدفع الشبهة عن نفسهما، فدون أن يطلب منهما أو يسألهما موسى: “إذا كنتما لا تريدان الاختلاط بالرجال، فلماذا خرجتما؟”، بادرتا بالاعتذار قائلتين: {وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ}. الذي دفعنا إلى الخروج هو كبر سن الوالد وعجزه عن العمل وعن رعاية الأنعام، وإلا فلسنا من أهل الاختلاط.

أخذنا من هذا درساً في أن الشخص يدفع عن نفسه الشبهة في أي باب من الأبواب. وقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم هذا؛ حين جاءته زوجته صفية بنت حيي رضي الله عنها تزوره في معتكفه، فلما خرجت لتعود إلى دارها قام يوصلها، فرآه رجلان من الأنصار فأسرعا الخطى، فقال لهما: “على رسلكما، إنها صفية بنت حيي”. فلما تعجبا، قال: “إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً”. فيُشرع لنا من الأدب والمحافظة على أنفسنا أن ندفع الشبهات قدر الاستطاعة.

شهامة موسى ومروءته ولجوئه إلى الله:

موسى عليه السلام فيه رجولة وشهامة ومروءة. {فَسَقَى لَهُمَا} دون أن يتفق على أجر معهما أو يطلب أجراً، والمروءة مطلوبة في الرجال وفي الشخص المسلم (إذا رأيت امرأة تقف في المواصلات العامة وأنت جالس، فمن المروءة أن تقوم لتجلس هي).

بعد أن سقى لهما، وأهل القرية لم يكرموه أو يعطوه شيئاً وهو لم يسأل أحداً، {تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ}. غريب في بلاد غربة ليس له مأوى ولا طعام، جاء متوكلاً على الله دون أخذ عدة للسفر، فلجأ إلى من بيده الخلق والأمر قائلاً: {رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ}. لقد فهم أن كل الخير الذي نحن فيه هو من الله، وأظهر فقره واحتياجه إلى فضل الله سبحانه.

حسن الفقه ومجازاة المعروف:

فجاء الفرج مصداقاً لقوله تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا}. جاءته إحداهما تمشي على استحياء قائلة: {إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا}. بينت له سبب الدعوة لكي لا يرتاب أو يخاف كونه غريباً.

هنا يظهر فقه موسى؛ كان يمكن أن يستكبر أو يقول “عملته لوجه الله ولا أريد أجراً”، لكنه في موضع فاقة واحتياج ولم يطلب الأجر ابتداءً. الكبر وقلة الفقه قد تحرمك الرزق. وقد أرشدنا النبي ﷺ حين أرسل مالاً لعمر بن الخطاب، فرفضه عمر طالباً إعطاءه لمن هو أحوج، فقال له النبي: “إذا جاءك من هذا المال شيء عن غير مسألة ولا إشراف نفس فخذه فتموله… وإن شئت تصدق به”.

وفي دعوة الفتاة فقه عظيم، وهو مجازاة ومكافأة من يصنع لنا معروفاً، حتى وإن لم يشترط أجراً.

اللقاء بالرجل الصالح:

سمع موسى عليه السلام وأطاع. وكما في بعض الروايات، مشت الفتاة خلفه لتدله على الطريق وتلقي الحجارة لترشده، وفي هذا دلالة على أن صوت المرأة ليس بعورة بذاته، وإنما المذموم هو الخضوع بالقول كما قال تعالى: {فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ}.

فلما وصل إليه (في بلاد ليس لفرعون عليها سلطان) وقص عليه القصص وحكى له أموره وحكاية فرعون وبني إسرائيل، أنس منه الرجل رشداً وطمأنه قائلاً: {لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}، فأنت الآن في بلاد فيها عدل وأمان.

القوي الأمين:

حينئذ تكلمت البنت بجميل الفهم قائلة: {يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ}. عرضت برغبتها في الزواج منه بطريقة غير مباشرة، وبينت علة التوظيف والإجارة التي يجب أن نتعلمها في كل شؤوننا: الكفاءة (القوة) في العمل، والأمانة في الدين والأخلاق. فلا يصلح القوي الخائن، ولا الأمين الضعيف.

(وهي صفات مطلوبة أثنى الله بها على ملائكته كجبريل: {ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}، والجن مع سليمان: {وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ}، ويوسف عليه السلام: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}).

كان الأب لماحاً وفهم مراد ابنته من تعريضها، فقال لموسى: {إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ}.

الخاتمة:

بهذا القدر نجتزئ لدخول وقت صلاة المغرب، وللحديث بقية في مجلس آخر لما في القصة من عظيم الفقه. ونسأل الله أن يحفظ بلاد المسلمين من كل مكروه ومن كل سوء، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

شارك المادة:

حق الجار   تاريخ 05 01 2018
كلمة عن الغوطة